يتطلب النجاح في نظام المدارس الثانوية العليا الحكومية معايير مرتفعة، وتواجه مدارسه تحديات متعددة ينبغي التصدي لها، ويقف مديرو المدارس بما يملكونه من خبرات وممارسات قيادية في موقع الفاعل الرئيس لضمان تحقيق هذه الأهداف، إذ تتقاطع عندهم قرارات الاتجاه العام للمدرسة وعلاقاتها بمعلميها وطلابها وبرامجها التعليمية وبيئتها التنظيمية
وفي هذا السياق هدفت هذه الدراسة النوعية إلى التعرف على فهم مديري المدارس الثانوية العليا الحكومية في إستونيا لممارساتهم القيادية، وعلى العوامل التي تدعم عملهم وتيسره، بما يسهم في تطوير إعداد قادة المدارس ودعمهم مهنيًا في سياق نظام تعليمي يمنح مدارسه شبكة حكومية منظمة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
سعت الدراسة إلى استكشاف تصورات مديري المدارس الثانوية العليا الحكومية الإستونية عن ممارساتهم القيادية والعوامل الداعمة لعملهم، في ضوء أبعاد القيادة الناجحة الأربعة المتمثلة في وضع الاتجاهات، وبناء العلاقات وتنمية الأفراد، وتطوير المنظمة بما يدعم الممارسات المرغوبة، وتحسين البرامج التعليمية، وهي أبعاد شكلت إطارًا تحليليًا موجهًا لقراءة بيانات الدراسة وتصنيفها
وجُمعت البيانات بالمقابلات شبه المنظمة مع ثمانية من قادة المدارس، وحُللت بأسلوب تحليل المحتوى الموجه لفحص الممارسات القيادية في الأبعاد الأربعة المذكورة، بينما استُخدمت مقاربة استقرائية في تحليل البيانات المتصلة بالعوامل الداعمة لعمل المديرين، بما أتاح ظهور عوامل لم تكن داخلة سلفًا في الإطار التحليلي الموجه
ثانيًا: أبرز النتائج
١) أظهرت النتائج أن مديري المدارس اتبعوا في ممارساتهم جميع أبعاد ممارسات القيادة الناجحة، فقد حضرت الأبعاد الأربعة في أعمالهم بنسب متفاوتة، بما يعكس شمول الدور القيادي لمدير المدرسة الثانوية العليا وتعدد مستويات تأثيره في مدرسته
٢) برز بُعد بناء العلاقات مع الطلاب والمعلمين بوصفه بُعدًا مهمًا في ممارسات المديرين، إذ يولي القادة اهتمامًا خاصًا لجودة علاقاتهم بطلاب مدارسهم ومعلميها، ويرون فيها أساسًا تنبني عليه بقية مهام القيادة المدرسية ونجاحاتها
٣) تمثل الشاغل الرئيس في عمل المديرين فيما يتصل بتحديات تحسين المدرسة في عبء عمل المعلمين، فازدحام مهام المعلمين وتعددها يقفان عائقًا أمام مبادرات التطوير، ويستدعيان معالجة قيادية وتنظيمية تراعي واقع الكوادر التعليمية
٤) رأى مديرو المدارس موطن قوة في تمتعهم بعلاقات ثقة ودعم مع الجهة المشغلة لمدارسهم، وفي كونهم جزءًا من شبكة المدارس الثانوية العليا الحكومية، إذ يتيح الانتماء إلى الشبكة تبادل الخبرات ويمنح القادة شعورًا بالسند المؤسسي في مواجهة تحديات العمل
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
وتوصي الدراسة بتقويم كفايات القيادة لدى قادة المدارس وتطويرها بصورة منهجية على امتداد أبعاد القيادة الناجحة، بحيث تُبنى برامج الإعداد والتطوير المهني على خريطة واضحة لهذه الأبعاد، وتُقاس آثارها في ممارسات القادة الفعلية داخل مدارسهم لا في معارفهم النظرية فحسب
كما توصي الدراسة بمعالجة وثيقة لاحترافية الجهة المشغلة للمدارس ودعمها المقدم للقادة، فقد حدد قادة المدارس هذا العامل بوصفه عاملًا مهمًا مؤثرًا في عملهم، وهو ما يجعل الاستثمار في كفاءة الجهات المشغلة وفي علاقات الثقة المتبادلة مع المديرين جزءًا من تطوير القيادة المدرسية ذاته، إلى جانب معالجة عبء عمل المعلمين بوصفه التحدي الأبرز أمام تحسين المدارس
وتلقي الدراسة كذلك ضوءًا على أهمية الشبكات المهنية بين قادة المدارس بوصفها مصدرًا للتعلم المهني والدعم المتبادل، فالقيادة المدرسية مهنة قد تتصف بالوحدة في قمة الهرم التنظيمي، وتمنح الشبكة قائدها فرصة لمعايرة قراراته بخبرات نظرائه وتلقي المشورة في قضايا لا يسهل حلها منفردًا، وهو ما يفسر تقدير المديرين لانتمائهم إلى شبكة المدارس الحكومية
وتثري الدراسة فهم القيادة المدرسية في الأنظمة التعليمية الحكومية المنظمة شبكيًا، حيث تجمع المدرسة بين معايير وطنية موحدة وهامش من المبادرة المحلية يمارس فيه المدير قيادته اليومية ويوازن بين متطلبات الجهة المشغلة وخصوصية مجتمعه المدرسي
وخلاصة القول إن مديري المدارس الثانوية العليا الحكومية في إستونيا يمارسون أبعاد القيادة الناجحة الأربعة وفي مقدمتها بناء العلاقات، ويعيقهم أساسًا عبء عمل المعلمين، وتدعمهم علاقات الثقة مع الجهة المشغلة والانتماء إلى شبكة المدارس الحكومية
المصدر الأصلي: https://www.mdpi.com/2227-7102/13/9/925
DOI: 10.3390/educsci13090925
