تتصاعد الضغوط البيئية في اقتصادات جنوب آسيا بفعل النمو الاقتصادي المتسارع والتحضر وتوسع التجارة، ويبقى السؤال قائمًا حول ما إذا كانت السياسات البيئية وحدها كافية لاحتواء هذه الضغوط، أم أن جودة المؤسسات وفعالية الحوكمة تمثلان الشرط الذي يحدد نجاح تلك السياسات من عدمه، إذ تتباين النتائج البيئية بين بلدان تتبنى سياسات متشابهة تباينًا يصعب تفسيره بعوامل اقتصادية خالصة، وتزداد حدة هذه الضغوط مع اعتماد اقتصادات المنطقة على صناعات كثيفة الانبعاثات وتسارع وتائر التوسع الحضري فيها
وتبحث هذه الدراسة في الدور المعدِّل لفعالية الحكومة في العلاقة بين التحضر واعتماد الطاقة المتجددة والكفاءة البيئية في جنوب آسيا، بما يقدم منظورًا يدمج الحوكمة آلية وسيطة في فهم العلاقة بين التحضر والبيئة، ويوفر أدلة ذات صلة بالسياسات للتدخلات المستدامة في المنطقة، ويفيد في تفسير لماذا تتفوق بعض الاقتصادات بيئيًا على غيرها رغم تقارب مستويات دخلها وسياساتها المعلنة
وتتقاطع في هذه القضية أدبيات الاقتصاد البيئي واقتصاديات المؤسسات، إذ تشير أبحاث متنامية إلى أن القواعد والحوكمة الرشيدة تحددان مدى تحول النمو الاقتصادي والتحضر إلى أعباء بيئية أو إلى فرص لتحسين الأداء البيئي، وأن السياسات البيئية المعلنة قد تتعثر في بيئات مؤسسية ضعيفة مهما بدت طموحة على الورق، بينما تنجح سياسات أقل طموحًا في بيئات مؤسسية فعالة قادرة على التنفيذ والإنفاذ
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تحليل العوامل البنيوية للكفاءة البيئية في اقتصادات جنوب آسيا خلال الفترة من عام 1996 إلى عام 2023، مع اختبار ما إذا كانت فعالية الحكومة تعدِّل أثر التحضر واعتماد الطاقة المتجددة في الأداء البيئي، واعتمدت إطارًا ديناميكيًا لدورة حياة البيانات الطولية، ووظفت مقدرات متقدمة للمدى الطويل شملت المربعات الصغرى المعدلة بالكامل والمربعات الصغرى الديناميكية وانحدار التكامل المشترك الكنسي، مدعومة بتصحيحات متينة للاعتماد المقطعي وعدم تجانس التباين
ثانيًا: أبرز النتائج
1- أظهرت النتائج أن النمو الاقتصادي وتوسع التجارة يزيدان الضغوط البيئية ويرفعان انبعاثات ثاني أكسيد الكربون في اقتصادات المنطقة
2- تبين أن نشر الطاقة المتجددة والتحديث الصناعي والحوكمة الفعالة تخفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون خفضًا دالًا
3- أظهر التفاعل بين الطاقة المتجددة وفعالية الحكومة أن الجودة المؤسسية تضخم الأثر المخفف لسياسات الطاقة النظيفة في الانبعاثات
4- دلت النتائج على أن المخرجات البيئية مشروطة بنيويًا ومؤسسيًا، فلا تعمل السياسات البيئية في فراغ مؤسسي من حولها
5- يقدم هذا التكامل بين الحوكمة والطاقة المتجددة تفسيرًا أعمق لتباين النتائج البيئية بين بلدان المنطقة رغم تشابه سياساتها المعلنة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
وتؤكد دلالات الدراسة أهمية الاستراتيجيات المشروطة بالحوكمة لتحقيق تحضر مستدام وتنمية منخفضة الكربون، إذ ينبغي أن تسير الاستثمارات في الطاقة النظيفة جنبًا إلى جنب مع إصلاحات مؤسسية ترفع فعالية الحكومة وقدرتها على التنفيذ والمتابعة، كما تنبه صانعي السياسات إلى أن التحديث الصناعي والتوسع التجاري يحتاجان إلى أطر تنظيمية بيئية مواكبة حتى لا تتحول مكاسب النمو إلى أعباء بيئية متصاعدة على الأجيال الحالية والمقبلة، ويظل الاستثمار في القدرات المؤسسية رافعة لا غنى عنها لأي تحول أخضر مستدام
وتفيد هذه الرؤية في إعادة ترتيب أولويات التعاون الدولي والمساعدات التنموية الموجهة للبيئة، إذ قد يكون بناء القدرات المؤسسية وأنظمة الرصد والمساءلة البيئية أكثر جدوى على المدى الطويل من تمويل مشروعات منفردة، كما تنبه إلى أهمية مواءمة سياسات التجارة والصناعة مع الأهداف البيئية حتى لا تعمل السياسات الاقتصادية في اتجاه معاكس للجهود المناخية، ويظل قياس الكفاءة البيئية بدقة شرطًا لتتبع تقدم البلدان نحو أهدافها المناخية المعلنة
وخلاصة القول إن الكفاءة البيئية في جنوب آسيا ثمرة تفاعل بين السياسات الاقتصادية وجودة المؤسسات لا نتاج أي منهما منفردًا، وإن إدماج الحوكمة متغيرًا معدِّلًا في تحليل العلاقة بين التحضر والبيئة يقدم للباحثين وصانعي السياسات إطارًا أصدق لتصميم تدخلات استدامة قابلة للنجاح في سياقات نامية مشابهة
المصدر الأصلي: https://www.mdpi.com/2227-7099/14/4/108
DOI: 10.3390/economies14040108
