أتاح عصر الذكاء الرقمي فرصًا جديدة لاستخراج المعرفة الإنسانية وتنظيمها بالاعتماد على البيانات، غير أن بحوث التلميحات الأدبية، وهي نوع مهم من البيانات الإنسانية، ما تزال تعتمد غالبًا على النموذج التقليدي للبحث الإنساني، بينما لم يحظ تطبيق تقنيات الحوسبة الآلية على موارد التلميح باهتمام كاف، ومن هنا سعت هذه الدراسة إلى سد هذه الفجوة عبر بناء نموذج للتعرف على مشاعر الكلمات التلميحية وتطبيقها بالاستناد إلى تعزيز دلالات النص، بما يربط بين علوم الحاسوب والدراسات الإنسانية الرقمية ويمنح الباحثين أدوات آلية لاكتشاف المعرفة المرتبطة بالتلميحات وربطها
ويندرج هذا العمل ضمن توجه متنامٍ يعرف بالإنسانيات الرقمية يسعى إلى توظيف الحوسبة في خدمة العلوم الإنسانية دون إخلال بخصوصيتها المعرفية، إذ تتحول النصوص الأدبية والتراثية إلى بيانات قابلة للمعالجة الآلية مع بقاء التفسير والتأويل مهمة للباحث الإنساني، وتكتسب التلميحات أهمية خاصة في هذا السياق لكونها وحدات دلالية مكثفة تحمل طبقات من المعنى التاريخي والثقافي والوجداني لا تتوفر في الكلمات العادية، ومن ثم فإن التعرف الآلي على مشاعرها يمثل خطوة نحو فهرسة ذكية للتراث الأدبي تربط الكلمة بسياقاتها ومصادرها عبر العصور
وتهدف الدراسة إلى تطوير نموذج قادر على التنبؤ بمشاعر الكلمات التلميحية بدقة أعلى، وإلى استكشاف انتظام توزيع هذه المشاعر إجمالًا وعبر الزمن، وبناء قاعدة بيانات تربط الكلمة التلميحية بمشاعرها وموضوعاتها لتيسير الارتباط الدلالي لموارد التلميح وتنظيمها
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
اعتمدت الدراسة منهجية حاسوبية متعددة المراحل، فبدأت بإدخال النصوص الشارحة لعدد 36080 كلمة تلميحية لأغراض تعزيز دلالات النص، ثم قارنت أداء مناهج متعددة قائمة على التعلم العميق شملت ثلاثة نماذج أساسية ونموذجين محسّنين، واختارت النموذج الأفضل للتنبؤ بمشاعر الكلمات التلميحية، ووفق العلاقات الثنائية بين الكلمات التلميحية ونصها المصدري ونصها الشارح ومشاعرها استكشفت الدراسة انتظام توزيع المشاعر على المستويين الكلي والزمني، واستنتجت مشاعر النص المصدري من مشاعر الكلمات التلميحية، كما وظفت نموذج التخصيص الكامن لديريكليه في استخراج موضوعات الكلمات التلميحية، ودمجت المشاعر والموضوعات لبناء قاعدة بيانات لعلاقات الكلمة التلميحية والمشاعر والموضوعات تتيح نمطين للارتباط الدلالي لموارد التلميح وتنظيمها
ثانيًا: أبرز النتائج
1- تفوق نموذج إيرني آر سي إن إن على سائر النماذج المقارنة وحقق تحسنًا في الدقة بلغ 6.35 في المئة، فاختير للتنبؤ بمشاعر الكلمات التلميحية بالاستناد إلى تعزيز دلالات النص
2- أتاح تعزيز النصوص الشارحة للكلمات التلميحية تمثيلًا دلاليًا أغنى أسهم في رفع أداء التعرف على المشاعر مقارنة بالاعتماد على النصوص المقتضبة وحدها
3- كشفت العلاقات الثنائية بين الكلمات التلميحية ونصوصها المصدرية والشارحة ومشاعرها عن انتظامات واضحة في توزيع المشاعر على المستوى الكلي وعلى امتداد الفترات الزمنية المختلفة
4- أمكن استنتاج مشاعر النص المصدري انطلاقًا من مشاعر الكلمات التلميحية الواردة فيه، بما يعزز إمكانات التحليل المتبادل بين النصوص وموارد التلميح المرتبطة بها
5- نجح دمج المشاعر المستخرجة مع موضوعات نموذج التخصيص الكامن لديريكليه في بناء قاعدة بيانات لعلاقات الكلمة التلميحية والمشاعر والموضوعات تقدم نمطين للارتباط الدلالي لموارد التلميح وتنظيمها، وأظهرت النتائج التجريبية قدرة النموذج المقترح على تحقيق اكتشاف المعرفة الإنسانية المرتبطة بالتلميحات وربطها
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تحمل نتائج الدراسة دلالات مهمة للإنسانيات الرقمية، إذ تقدم مسارًا عمليًا لتحويل موارد التلميح المتناثرة إلى بيانات منظمة قابلة للبحث والربط والتحليل الكمي، بما يخدم بناء المكتبات الرقمية وقواعد المعرفة الأدبية وأدوات التحليل النصي الموجهة للباحثين في الأدب واللغة، كما أن إمكان التنبؤ بمشاعر النصوص المصدرية من كلماتها التلميحية يفتح آفاقًا لدراسات مقارنة في تاريخ المشاعر الأدبية وتطورها عبر العصور، وينبه نجاح تعزيز الدلالات إلى أهمية النصوص الشارحة والبيانات الوصفية الغنية في تحسين أداء نماذج التعلم العميق عند التعامل مع مواد إنسانية دقيقة المعنى
وخلاصة القول إن الدراسة قدمت نموذجًا متكاملًا يجمع بين تعزيز دلالات النص والتعرف الآلي على المشاعر واستخراج الموضوعات، فأثبت جدواه في اكتشاف المعرفة الإنسانية المرتبطة بالتلميحات وربطها، ومهد الطريق لتطبيقات أوسع للحوسبة الآلية في خدمة الدراسات الأدبية والإنسانية
