يؤدي إدراك وجوه الرضع دورًا حاسمًا في سلوك الرعاية الذي يبديه البالغون تجاه الرضع، إذ يظهر البالغون انجذابًا مستقرًا نحو وجوه الرضع مقارنة بغيرها من المنبهات، غير أن هذا الإدراك يتأثر سلبًا حين يولد الرضيع بتشوه خلقي في الوجه كالشفة المشقوقة أو شق سقف الحلق، إذ تتغير أنماط المسح البصري لدى البالغين وتقييماتهم الذاتية لتلك الوجوه
وعلى الرغم من ذلك، قلما تناولت البحوث السابقة أثر خبرة الناظر السابقة بهذا التشوه تحديدًا في إدراك وجوه الرضع المصابين به، فقد يخفف التعرض المنظم المسبق لمعلومات وصور متعلقة بالتشوه من النفور المعتاد، وهذا ما سعت هذه الدراسة إلى اختباره بمقارنة مجموعة خضعت لتدريب تعريفي مسبق بمجموعة ضابطة لم تتلق أي تدريب
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص أثر الألفة المكتسبة في أنماط نظرة العين والتقييمات الذاتية للطافة وجوه الرضع المصابين بالشفة المشقوقة وشق سقف الحلق، وقد عرضت على المشاركات 48 صورة لوجوه رضع، نصفها وجوه نمطية ونصفها وجوه مصابة بالشق، وبلغ عدد مجموعة الألفة 43 مشاركة بالغة من النساء تلقين تدريبًا تعريفيًا مصممًا خصيصًا لهذا الغرض عرّضهن قبل الاختبار لمنبهات بصرية ومعلوماتية متعلقة بالشفة المشقوقة وشق سقف الحلق لدى الرضع، بينما بلغ عدد المجموعة الضابطة المطابقة في العمر 41 مشاركة لم تتلق أي تدريب، وقورنت أنماط نظرة العين وتقييمات اللطافة الذاتية بين المجموعتين
ثانيًا: أبرز النتائج
توصلت الدراسة إلى نتائج دقيقة حول تفاعل المعالجة البصرية مع التقييم الذاتي يمكن تلخيصها في النقاط الآتية
1- لم تظهر فروق بين المجموعتين في تقييمات اللطافة لوجوه الرضع المصابين بالشق، ولا في أنماط نظرة العين إلى منطقة الفم المصابة عند النظر إليها بمعزل عن بقية العوامل
2- وجدت علاقة سلبية دالة بين مدة النظر إلى منطقة الفم في صور الوجوه المصابة بالشق وبين تقييمات اللطافة الذاتية لدى مشاركات المجموعة الضابطة فقط، فكلما طال التركيز على الفم انخفض تقييم اللطافة
3- لم تظهر هذه العلاقة لدى مشاركات مجموعة الألفة، وهو ما يشير إلى أن خبرتهن المعدلة بالتدريب المسبق خففت الأثر الذي تمارسه المعالجة البصرية في التقييم الذاتي لوجوه الرضع المصابين بالشق حين قُيّم العاملان معًا
4- يستنتج من ذلك أنه من الممكن التخفيف من السلوك النفوري المعتاد ملاحظته تجاه وجوه الرضع المصابين بالتشوهات الخلقية في الوجه عبر بناء ألفة مسبقة منظمة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تنطوي هذه النتائج على دلالات عملية للممارسة السريرية المعنية بدعم رعاية البالغين للرضع المصابين بالتشوهات، وللسياسات الرامية إلى زيادة الإدراك الإيجابي للتشوهات الخلقية في الوجه، إذ يمكن لبرامج التثقيف والتعريف المسبق الموجهة إلى الأسر ومقدمي الرعاية والمجتمع أن تخفف الانطباعات السلبية الأولى وتدعم تفاعلًا أكثر إيجابية مع الرضع المصابين بالشفة المشقوقة وشق سقف الحلق، كما تفتح الدراسة الباب أمام بحوث لاحقة تختبر أثر الألفة في عينات أوسع من مقدمي الرعاية من الجنسين، وتتتبع انعكاس تغير الإدراك في سلوك الرعاية الفعلي وجودة التفاعل بين البالغ والرضيع
وتحمل هذه النتائج رسالة أوسع للمجتمع مفادها أن الانطباعات الأولى عن ذوي التشوهات الخلقية ليست ثابتة لا تقبل التعديل، بل يمكن إعادة تشكيلها بالمعرفة والتعرض المدروس، وهو ما يعزز قيم القبول والاحتواء ويخفف ما قد يواجهه الأطفال المصابون بالشقوق الوجهية وأسرهم من وصم اجتماعي، ويدعم حقهم في معاملة كريمة وتفاعل طبيعي منذ الأيام الأولى من حياتهم، وتتجاوز أهمية إدراك وجوه الرضع حدود الانطباع الجمالي، إذ تؤثر نظرة البالغ إلى وجه الرضيع في جودة التفاعل معه واستجابته لاحتياجاته اليومية
وخلاصة القول إن الألفة المسبقة بالتشوهات الخلقية في وجوه الرضع قادرة على تعديل العلاقة بين ما تراه العين وما يحكم به العقل من تقييم، فتخفف الأحكام السلبية المرتبطة بالتركيز البصري على موضع الشق، وتقدم هذه الدراسة أساسًا علميًا لبرامج دعم نفسي وتثقيفي تعزز قبول الرضع المصابين بالتشوهات وترعى نموهم في بيئة أكثر احتواء
