أعادت التغيرات المتلاحقة في أدوار الوالدين إحياء الاهتمام بمشاركة الأب في النمو النفسي لأبنائه، إذ يمتلك الآباء الاجتماعيون والبيولوجيون تأثيرات مهمة في رفاه الأطفال والمراهقين ونمائهم، غير أن الآباء ما زالوا ممثلين تمثيلًا ناقصًا في بحوث الأسرة، ولا توجد سوى برامج تدخلية منظمة قليلة متمحورة حول الأب في مجال الطب النفسي للأطفال والمراهقين، وهو نقص يحد من فهم احتياجات الآباء النفسية ومن قدرة الخدمات العلاجية على إشراكهم بفاعلية في خطط علاج أبنائهم، ومن المعلوم أن إشراك الأب في العلاج الأسري يواجه عوائق عملية، منها أوقات العمل وضغوطه وتصورات تقليدية حول توزيع الأدوار داخل الأسرة، وهو ما يجعل تصميم برامج موجهة للآباء خصيصًا خطوة ضرورية لتجاوز هذه العوائق، ومن هذا المنطلق أجري تقييم استطلاعي لبرنامج مجموعة تدخل أسرية متمحورة حول الأب للوقوف على آثاره في ضغوط الأبوة والكفاءة الذاتية الوالدية لدى الآباء المشاركين
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تقييم برنامج تدخل أسرية متمحور حول الأب لدى عينة ألمانية، بمقارنة ضغوط الأبوة والكفاءة الذاتية الوالدية وكفاءة الأب كما يقيّمها الأبناء قبل البرنامج وبعده، في تصميم قبلي بعدي، وبلغ عدد المشاركين 16 أبًا، نفذ البرنامج مع ثمانية منهم حضوريًا ومع ثمانية آخرين عبر الإنترنت، وذلك في بيئة عيادة للطب النفسي للأطفال والمراهقين بقسميها الداخلي والنهاري، وقورنت المؤشرات بين صيغتي التنفيذ الحضورية والإلكترونية للوقوف على فروق الأثر ورضا المشاركين عن تجربة البرنامج، ويمثل اشتمال الدراسة على صيغتين للتنفيذ فرصة لمقارنة التدخل الحضوري بالتدخل عن بُعد في بيئة علاجية واحدة
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهر التقييم نتائج مشجعة، يمكن إجمالها فيما يأتي: ١- انخفضت ضغوط الأبوة المتصلة بالأبناء لدى الآباء المشاركين انخفاضًا دالًا إحصائيًا في الصيغتين، إذ بلغ مستوى الدلالة 0.042 في التنفيذ الحضوري و0.047 في التنفيذ عبر الإنترنت، ٢- ارتفعت الكفاءة الذاتية الوالدية لدى المشاركين ارتفاعًا دالًا إحصائيًا، إذ بلغ مستوى الدلالة 0.006 في الصيغة الحضورية و0.012 في الصيغة الإلكترونية، ٣- لم تتأثر ضغوط الأبوة المتصلة بالوالد نفسه، إذ بلغ مستوى الدلالة 0.108 حضوريًا و0.171 إلكترونيًا، كما لم تتأثر كفاءة الأب كما يقيّمها الأبناء، بمستوى دلالة بلغ 0.167 و0.101 على الترتيب، ٤- أشارت مقاييس حجم الأثر الصغيرة إلى المتوسطة إلى اتجاه موافق لفروض الدراسة، إذ تراوحت قيمها بين 0.48 و0.36 للضغوط المتصلة بالوالد، وبين 0.37 و0.50 لكفاءة الأب المقيمة من الأبناء، ٥- كان رضا المشاركين أعلى في التنفيذ الحضوري منه عبر الإنترنت، بمستوى دلالة بلغ 0.008
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تشير هذه النتائج إلى أن الآباء يستفيدون من البرامج التدخلية المصممة خصيصًا لهم من حيث خفض الضغوط وتنمية الإحساس بالكفاءة الذاتية الوالدية، وتدعو إلى إشراك الآباء بوتيرة أكبر في برامج الوقاية والتدخل الموجهة للأطفال والمراهقين، نظرًا لما لهم من تأثيرات اجتماعية وبيولوجية مهمة في رفاه الأبناء ونمائهم، كما تبرز أفضلية نسبية للتنفيذ الحضوري في رضا المشاركين، مقابل جدوى واعدة للتنفيذ عبر الإنترنت في خفض الضغوط ورفع الكفاءة، بما يفتح الباب أمام صيغ مرنة تجمع بين الحضور والتقنية لتوسيع وصول هذه البرامج إلى الآباء، ويلاحظ أن آثار البرنامج ظهرت بوضوح في الضغوط المتصلة بالأبناء وفي الكفاءة الذاتية الوالدية، في حين قد تحتاج الضغوط المتصلة بالوالد ذاته وكفاءة الأب كما يراها الأبناء إلى زمن أطول وتدخلات ممتدة لتظهر آثارًا مماثلة، كما أن صغر حجم العينة في هذه الدراسة الاستطلاعية يدعو إلى الحذر في التعميم وانتظار دراسات تأكيدية أوسع
وخلاصة القول إن البرامج التدخلية المتمحورة حول الأب تمثل إضافة نوعية لخدمات الطب النفسي للأطفال والمراهقين، وإن هذا التقييم الاستطلاعي، رغم صغر عينته، يقدم مؤشرات أولية مشجعة تستحق البناء عليها في دراسات أوسع تختبر فاعلية هذه البرامج وأثرها المستدام في الأسرة كلها، ويبرز من بين تحدياتها الوصول إلى الآباء وإشراكهم بانتظام في جلسات التدخل
