أثرت جائحة كوفيد-19 سلبًا في مستويات النشاط البدني للأفراد بوجه عام، ولدى كبار السن بوجه خاص، إذ حدّت إجراءات الإغلاق والتباعد من فرص الحركة والممارسة اليومية للأنشطة، ومع ذلك ظلت الدراسات التي تفحص العوامل المرتبطة بمستويات النشاط البدني لدى هذه الفئة في أثناء الجائحة قليلة، ولاسيما ما يتصل منها باختلاف محل الإقامة بين السكن المجتمعي ودور الرعاية، وهو ما يجعل فهم هذه العوامل ضرورة لتحديد الفئات الأكثر تعرضًا لانخفاض النشاط البدني، ووضع تدخلات مناسبة تحافظ على صحة كبار السن ونشاطهم في الأزمات المماثلة، وقد صاحب ذلك تغير في أنماط الحياة اليومية لكبار السن، من قلة الخروج وتراجع الأنشطة الاجتماعية وانقطاع برامج التمرين الجماعي، وهو ما جعل رصد مستويات النشاط البدني وعواملها مهمة بحثية ملحة في تلك المرحلة، ومن هذا المنطلق جاءت هذه الدراسة لتقيّم العوامل المرتبطة بمستوى النشاط البدني بحسب محل الإقامة لدى كبار السن
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تقييم العوامل المرتبطة بمستوى النشاط البدني وفقًا لمحل الإقامة لدى كبار السن في كرواتيا والبوسنة والهرسك في أثناء جائحة كوفيد-19، واعتمدت التصميم المقطعي، وبلغ عدد المشاركين 211 شخصًا تجاوزت أعمارهم 65 عامًا، منهم 101 من الإناث، وتوزعوا بين 111 مقيمًا في المجتمع بمتوسط عمر بلغ 71.11 عامًا وانحراف معياري قدره 3.11، و110 مقيمين في دور الرعاية بمتوسط عمر بلغ 72.22 عامًا وانحراف معياري قدره 4.01، وشملت المتغيرات الحالة الصحية والعوامل الاجتماعية والديموغرافية والقياسات الجسمية المتمثلة في كتلة الجسم والطول ومؤشر كتلة الجسم، وقيس مستوى النشاط البدني باستخدام نسخة مترجمة من مقياس النشاط البدني لكبار السن، وقد جرى التحقق من صدق المقياس وثباته ضمن هذه الدراسة نفسها، ويتيح هذا التصميم مقارنة مستويات النشاط البدني وعواملها بين بيئتين مختلفتين في نمط الحياة اليومية والدعم المتاح، بما يكشف خصوصية كل بيئة وحاجات قاطنيها
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت الدراسة نتائج متعددة، يمكن إجمالها فيما يأتي: ١- تبين أن مقياس النشاط البدني لكبار السن يتمتع بثبات جيد عند إعادة التطبيق، إذ فسر 51 في المئة من التباين المشترك، وبصدق جيد بلغ 57 في المئة من التباين المشترك عند مقارنته بعدد الخطوات المقاس بعدّادات الخطى، ٢- ارتبط مستوى النشاط البدني إيجابيًا بالإقامة في المجتمع، إذ بلغت نسبة الأرجحية 1.93 بفاصل ثقة بدرجة 95 في المئة يتراوح بين 1.60 و2.23، كما ارتبط بانخفاض مؤشر كتلة الجسم بنسبة أرجحية قدرها 0.85 وفاصل ثقة بين 0.71 و0.98، وذلك فضلًا عن ارتباطه بالحالة الصحية والعمر، ٣- ارتبط النشاط البدني قبل الجائحة بمستوى النشاط البدني لدى المقيمين في دور الرعاية بنسبة أرجحية قدرها 1.2 وفاصل ثقة بين 1.02 و1.45، ٤- ارتبط ارتفاع المستوى التعليمي بمستوى النشاط البدني لدى المقيمين في المجتمع بنسبة أرجحية قدرها 1.31 وفاصل ثقة بين 1.04 و1.66
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تكشف هذه النتائج أن العوامل المرتبطة بالنشاط البدني لدى كبار السن تختلف باختلاف محل الإقامة، وهو ما مكّن الدراسة من تحديد فئات بعينها معرضة لانخفاض مستويات نشاطها البدني في أثناء الجائحة، مثل المقيمين في دور الرعاية وذوي مؤشر كتلة الجسم المرتفع ومنخفضي المستوى التعليمي، ويوجه ذلك القائمين على الرعاية الصحية إلى تصميم برامج نشاط بدني تراعي خصوصية كل بيئة إقامة، وتستثمر العادات الرياضية السابقة للجائحة لدى مقيمي دور الرعاية، وتدعم التثقيف الصحي لدى المقيمين في المجتمع، مع الدعوة إلى دراسات مستقبلية تفحص هذه المشكلة في فترات لا تشهد جائحة للتحقق من استقرار هذه الارتباطات
وخلاصة القول إن الحفاظ على النشاط البدني لكبار السن في الأزمات الصحية الكبرى يتطلب فهمًا دقيقًا للعوامل المرتبطة به بحسب بيئة الإقامة، وإن أدوات قياس صادقة وثابتة مثل مقياس النشاط البدني لكبار السن تتيح رصد هذه المستويات ومتابعتها، بما يساند جهود الوقاية ويحفظ صحة هذه الفئة واستقلاليتها، وتظل مراعاة الفروق الفردية بين كبار السن في الصحة والتعليم والسكن مفتاحًا لبرامج فعالة في هذا المجال
