تدعم مجتمعات التعلم المهنية نمو التربويين وارتقاءهم المهني بما ينعكس في تحسين نواتج التعلم لدى جميع الطلاب، فهي بيئات اجتماعية يتعلم فيها المعلمون من بعضهم بعضًا عبر التأمل المشترك وتبادل الخبرات ومساءلة الممارسات، وتزداد قيمة هذه المجتمعات حين تجمع تخصصات متعددة حول هدف تعليمي مشترك يتجاوز حدود التخصص الواحد، كما في حالة تحسين حل المسائل الرياضية لدى الطلاب ذوي الإعاقة، إذ يتطلب دعم هؤلاء الطلاب خبرات متكاملة تتجاوز خبرة معلم الرياضيات وحده إلى خبرات الإداريين والمعالجين والأخصائيين الذين يرافقون الطالب في جوانب مختلفة من يومه المدرسي
وفي هذا السياق استكشفت الدراسة الحالية تنفيذ مجتمع تعلم مهني مشترك بين الأقسام في مدارس الرياضيات، في ضوء أبعاد هورد الخمسة لمجتمع التعلم المهني الناجح، وبحثت في الوقت نفسه كيف أثر الانخراط في هذا المجتمع في الكفاءة الجماعية لدى المشاركين، أي اعتقاد المجموعة المشترك بأن أعضاءها قادرون معًا على تحقيق النتيجة المنشودة في تعليم طلابهم، فالكفاءة الجماعية ليست حاصل جمع ثقة الأفراد بأنفسهم، بل قناعة مشتركة تتولد من تجربة العمل الجماعي نفسه وقد توجه طاقة المجموعة صعودًا أو هبوطًا
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
اعتمدت الدراسة منهج بحث العمل التشاركي الطولي، واسترشدت بالنظريتين البنائية الاجتماعية والمعرفية الاجتماعية إطارين مفسرين لتعلم التربويين داخل المجتمع، وطبقت أبعاد هورد الخمسة لمجتمع التعلم المهني الناجح وهي القيادة الداعمة والمشتركة، والمعتقدات والقيم والرؤية المشتركة، والتعلم الجماعي وتطبيقه، والممارسة الشخصية المشتركة، والظروف الداعمة، وشارك في المجتمع ثلاثة عشر مشاركًا جُمعت خبراتهم الجماعية من معلمي الرياضيات والإداريين وأخصائيين تربويين إضافيين مثل المعالجين الوظيفيين وأخصائيي أمراض النطق واللغة، وعملوا معًا على تطوير استراتيجيات لتحسين حل المسائل الرياضية لدى طلاب المرحلتين الابتدائية والمتوسطة من ذوي الإعاقة، وجُمعت البيانات الكمية والنوعية عبر الزمن لقياس التغير في الأبعاد الخمسة وفي الكفاءة الجماعية لدى المشاركين ورصد تجاربهم داخل المجتمع
ثانيًا: أبرز النتائج
1- أظهرت النتائج زيادات ذات دلالة إحصائية في أبعاد مجتمع التعلم المهني الخمسة جميعها عبر الزمن، بما يدل على أن المجتمع المشترك بين الأقسام ترسخ وتطور في قيادته المشتركة وقيمه وتعلمه الجماعي وممارساته وظروفه الداعمة بمرور الوقت واستمرار العمل المشترك
2- دعمت الأدلة النوعية المستمدة من تجارب المشاركين فاعلية مجتمع التعلم المهني المشترك، إذ وثقت تفاعلاتهم وشهاداتهم نموًا مهنيًا ملموسًا وتعاونًا متعاظمًا بين التخصصات المختلفة حول هدف تحسين تعلم الطلاب ذوي الإعاقة في الرياضيات
3- لم تكشف النتائج في المقابل عن زيادة ذات دلالة إحصائية في الكفاءة الجماعية العامة لدى المشاركين، أي أن اعتقادهم المشترك بقدرتهم الجماعية على تحقيق النتائج المنشودة لم يرتفع ارتفاعًا دالًا رغم التطور الدال في أبعاد المجتمع الخمسة جميعها
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تؤكد هذه النتائج جدوى مجتمعات التعلم المهنية المشتركة بين الأقسام في توحيد خبرات المعلمين والإداريين والأخصائيين حول قضايا تعليمية دقيقة كتعليم الرياضيات للطلاب ذوي الإعاقة، وتوجه قادة المدارس إلى الاستثمار في الأبعاد الخمسة التي أثبتت قابليتها للنمو والتطور عبر القيادة المشتركة والرؤية الموحدة والظروف الداعمة، مع الانتباه إلى أن بناء الكفاءة الجماعية لدى الفرق قد يتطلب مقومات إضافية تتجاوز ترسيخ بنية المجتمع ذاته، كإبراز النجاحات المشتركة المتراكمة وتعزيز الثقة الجماعية بالممارسة وتوثيق أثرها في الطلاب، كما تطرح النتائج أمام الباحثين أسئلة حول طبيعة العلاقة بين نضج مجتمع التعلم المهني وتطور الكفاءة الجماعية لدى أعضائه وحول المدد الزمنية التي يحتاجها هذا التطور ليظهر ويستقر
وخلاصة القول إن الدراسة تقدم دليلًا على أن مجتمع تعلم مهني مشترك بين الأقسام يمكن أن ينمو في أبعاده الخمسة نموًا دالًا إحصائيًا وأن يحظى بدعم نوعي من تجارب أعضائه، وإن ظل أثره في الكفاءة الجماعية العامة غير دال، وهو ما يستدعي مزيدًا من البحث والممارسة الواعية في كيفية تحويل ترابط الفرق إلى ثقة جماعية فاعلة
