يمثل التدريس المشترك صيغة تعليمية يتعاون فيها معلمان أو أكثر في تخطيط الدروس وتنفيذها وتقويمها داخل الصف نفسه، وقد اكتسب حضورًا واسعًا في مدارس التعليم العام بوصفه وسيلة لدعم تعلم جميع الطلاب، ولا سيما الطلاب ذوي الاحتياجات التعليمية المتنوعة الذين يتعلمون في الصفوف العامة إلى جانب أقرانهم، غير أن السؤال عن كيفية تعلم المعلمين أنفسهم لهذه الصيغة من التدريس ما يزال محدود البحث، إذ تندر الدراسات التي تناولت العلاقة بين تعلم المعلمين والتدريس المشترك في سياق برامج التطوير المهني، رغم أن نجاح التدريس المشترك في الصف رهين بمدى إتقان المعلمين له وقدرتهم على توزيع الأدوار والتخطيط المشترك وإدارة الصف بصورة تكاملية لا تنافسية
ومن هنا جاءت هذه المراجعة المنهجية لسد جانب من هذه الفجوة المعرفية، فعمدت إلى فحص الأدبيات المنشورة حول التدريس المشترك في التعليم المدرسي وتحليل كيفية تناولها لتعلم المعلمين داخل برامج التطوير المهني، بهدف الوقوف على مدى كفاءة توظيف الفهم المتاح عن التدريس المشترك وعن تعلم المعلمين في تصميم هذه البرامج وتنفيذها، وعلى درجة الاتساق أو التباين بين البرامج المختلفة في مفاهيمها وأساليبها وممارساتها، بما يقدم صورة نقدية شاملة لحال الحقل واتجاهاته
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
اعتمدت المراجعة منهج المراجعة المنهجية وفق أسلوب بريزما المعتمد في إعداد المراجعات المنهجية وعرضها، وطبقت معايير إدراج محددة للتعرف على المقالات المعنية بالتدريس المشترك في مرحلة التعليم المدرسي من رياض الأطفال حتى الصف الثاني عشر، والمنشورة في المدة من عام 2009 إلى عام 2018، فأسفرت عملية البحث والفرز عن التعرف على 567 مقالًا، خضعت تسع مقالات منها اختيرت لاتصالها المباشر ببرامج التطوير المهني لتحليل مفصل معمق تناول كيفية ربط هذه البرامج بين التدريس المشترك وتعلم المعلمين، وما استخدمته من مفاهيم نظرية وأساليب تدريبية وممارسات تطبيقية، ومدى استنادها إلى المعرفة المتراكمة في كلا المجالين
ثانيًا: أبرز النتائج
1- أظهر التحليل المفصل للمقالات التسع أن الصلة بين التدريس المشترك وتعلم المعلمين ظلت ضيقة ومحدودة، فلم تتناول البرامج المدروسة هذه الصلة بعمق كاف يعكس ثراء المفهومين معًا، وبقي الربط بين ما يتعلمه المعلم وكيف يمارس التدريس المشترك سطحيًا في كثير من الحالات
2- تبين أن برامج التطوير المهني المختلفة لم توظف بكفاءة الفهم المتاح أصلًا حول التدريس المشترك أو حول تعلم المعلمين، فبقيت الاستفادة من الخبرات والمعارف المتراكمة في كلا المجالين دون المستوى المأمول، وكأن كل برنامج ينطلق من نقطة قريبة من الصفر بدلًا من البناء على ما سبقه
3- أظهرت البرامج المدروسة تباينًا كبيرًا فيما بينها على صعيد المفاهيم والأساليب والممارسات المعتمدة، وهو تباين يصعب معه المقارنة بين نتائجها أو تراكم المعرفة حولها، ويبرز الحاجة الملحة إلى إجراء مزيد من الدراسات المستقبلية التي تضبط هذا الحقل وتعمقه
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
توجه هذه النتائج أنظار مصممي برامج التطوير المهني إلى ضرورة بناء برامج تعليم التدريس المشترك على أسس نظرية وعملية راسخة تستثمر ما تراكم من معرفة حول كيفية تعلم المعلمين الراشدين وحول متطلبات التدريس المشترك الفعال، بدلًا من الاكتفاء بتدريب المعلمين على مهارات تنفيذية سطحية، كما تدعو النتائج الباحثين إلى إجراء مزيد من الدراسات المستقبلية التي تتعمق في العلاقة بين التدريس المشترك وتعلم المعلمين وتفكك مكوناتها وآلياتها، بما يساعد المدارس وأنظمة التعليم على إعداد معلمين قادرين على ممارسة التدريس المشترك بفاعلية تنعكس في تعلم طلابهم، فالمكاسب المتوقعة من انتشار التدريس المشترك في الصفوف لن تتحقق بمجرد جمع معلمين في صف واحد، بل بتعلم حقيقي يغير فهم المعلمين وممارساتهم
وخلاصة القول إن المراجعة تكشف عن فجوة واضحة في الأدبيات وبرامج التطوير المهني على حد سواء، فتعلم المعلمين للتدريس المشترك ما يزال مجالًا ضيق التناول واسع التباين قليل التراكم، وهو ما يستدعي جهودًا بحثية وتطويرية أكثر منهجية تضبط مفاهيم الحقل وتوظف معارفه المتراكمة توظيفًا كفئًا








