أظهرت بحوث سابقة أن الرضع المتعلمين للإسبانية والإنجليزية معًا يستطيعون تجزئة الكلمات الإنجليزية ذات النبر الختامي، وهي كلمات من مقطعين يقع النبر فيها على المقطع الأخير، في عمر أبكر من أقرانهم أحاديي اللغة، بما يتسق مع فكرة التسارع في النمو لدى ثنائيي اللغة، وعُزي هذا التقدم إلى تعرض الرضع المتزايد لهذا النمط النبري عبر الإسبانية، إذ تبدأ نحو 10 في المئة فقط من كلمات المحتوى الإنجليزية بمقطع غير منبور، مقابل 40 في المئة في الإسبانية، غير أن سؤالًا أدق يظل قائمًا حول ما إذا كانت زيادة التعرض لنمط لغوي ما وحدها كافية لتفسير هذا التسارع وتعميمه على الأنماط كلها
وتكتسب هذه القضية أهميتها من انتشار الأسر ثنائية اللغة حول العالم ومن الأسئلة العملية التي يطرحها نمو أطفالها اللغوي على أولياء الأمور والمعلمين، إذ يتساءل كثيرون إن كان تعرض الطفل للغتين يربك اكتسابه أم يثريه، وتتأرجح الإجابات الشائعة بين تفاؤل يعد بفوائد شاملة وتخوف من تأخر عام، بينما يقدم البحث التجريبي صورة أدق تميز بين المهارات والأنماط، فتتحدد الفوائد بشروطها بدل إطلاقها على عموم النمو اللغوي
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تقويم ما إذا كان ازدياد التعرض لنمط نبري بعينه يكفي وحده لتفسير التسارع في النمو لدى ثنائيي اللغة، واختبرت ذلك في الاتجاه المعاكس، ففي الإنجليزية تبدأ 90 في المئة من كلمات المحتوى بمقطع منبور أول، مقابل 60 في المئة في الإسبانية، فإذا كانت زيادة التعرض كافية لإحداث التسارع، لكان متوقعًا أن يجزئ الرضع ثنائيو اللغة الإسبانية والإنجليزية الكلمات الإسبانية ذات النبر الابتدائي أبكر من أقرانهم أحاديي اللغة المتعلمين للإسبانية، لما يتلقونه من تعرض إضافي لهذا النمط عبر الإنجليزية، وقارنت الدراسة أداء الفئتين في تجزئة هذه الكلمات مقارنة مباشرة بالأدوات التجريبية ذاتها
ثانيًا: أبرز النتائج
1- لم تجد الدراسة دليلًا على تسارع تجزئة الكلمات الإسبانية ذات النبر الابتدائي لدى الرضع ثنائيي اللغة مقارنة بأقرانهم أحاديي اللغة المتعلمين للإسبانية
2- تساوى أداء الفئتين في مهمة التجزئة رغم اختلاف كمية التعرض التراكمي للنمط النبري الابتدائي بين لغتي كل فئة
3- تشير النتيجة إلى أن مجرد زيادة التعرض لسمة لغوية في إحدى اللغتين لا ينتج عنه بالضرورة تسارع في نمو هذه السمة في اللغة الأخرى
4- يقتصر التسارع المرصود في البحوث السابقة على اكتساب الأنماط غير المتكررة في إحدى اللغتين، حيث يعمل الأثر الجمعي للغة الأخرى على تعزيز اكتسابها المبكر
5- تعيد النتائج ضبط التوقعات النظرية حول مزايا ثنائية اللغة في النمو اللغوي المبكر، فهي مزايا مشروطة بتكرار النمط وندرته في كل لغة لا بكمية التعرض وحدها
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تفيد هذه النتائج الباحثين في نمو اللغة ومصممي برامج التدخل اللغوي المبكر، إذ تنبه إلى أن الاستفادة من اللغة الثانية في تسريع اكتساب الأولى انتقائية تتجه إلى الأنماط النادرة لا إلى الأنماط الشائعة المشبعة بالتعرض أصلًا، بما يوجه جهود التحفيز اللغوي نحو ما ينقص الطفل فعلًا، كما تفيد أولياء الأمور في الأسر ثنائية اللغة في تكوين فهم واقعي لمسار نمو أطفالهم اللغوي دون توقعات مبالغ فيها بتفوق شامل في كل مهارة، وتبقى النتائج مرتبطة بمهارة تجزئة الكلمات وبنمط النبر في زوج لغوي واحد، فتعميمها على مهارات وأزواج لغوية أخرى يحتاج إلى بحوث موازية تؤكدها أو تعدلها
وتمتد دلالات النتيجة إلى تصميم مناهج رياض الأطفال ثنائية اللغة وبرامج إثراء المفردات والأنماط الصوتية، إذ يصبح الاستثمار التعليمي الأجدى في الأنماط التي تفتقر إليها لغة الطفل الأولى لا في تكرار ما هو وافر فيها، كما تفيد أخصائيي النطق واللغة في تفسير مسارات النمو الطبيعية لثنائيي اللغة تفسيرًا لا يخلط بين اختلاف التوزيع اللغوي وبين التأخر المرضي، فتقل الإحالات غير الضرورية ويُكتشف التأخر الحقيقي في وقته المناسب
وخلاصة القول إن ثنائية اللغة تسرّع النمو اللغوي انتقائيًا حيث تكون الأنماط نادرة في إحدى اللغتين، وإن كمية التعرض وحدها ليست محرك التسارع الذي افترضته قراءات أبسط لهذه الظاهرة المعقدة
