تحتل قضايا البيئة مكانة متقدمة في اهتمامات المجتمعات المعاصرة، إذ تتسارع التحديات المرتبطة بتغير المناخ واستنزاف الموارد الطبيعية وتلوث النظم البيئية، ويتزايد معها الإدراك بأن معالجة هذه التحديات لا تقتصر على الحلول التقنية والتشريعية، بل تمتد إلى البعد الأخلاقي الذي يوجه سلوك الإنسان تجاه بيئته ومكوناتها غير البشرية، ومن هنا برز مفهوم الأخلاقيات البيئية بوصفه مجالًا يدرس العلاقة الأخلاقية بين البشر والبيئة وعناصرها غير الإنسانية، ويدعو إلى التفكير في كيفية العيش واتخاذ القرارات البيئية وإدراك عواقب الأنشطة البشرية على الطبيعة
ويؤدي المعلم دورًا محوريًا في ترجمة هذا الوعي إلى ممارسات تربوية داخل المدرسة، فهو الوسيط الذي ينقل المعارف والقيم البيئية إلى الطلاب ويشكل اتجاهاتهم نحو البيئة، غير أن قدرة المعلم على تدريس موضوعات الأخلاقيات البيئية تظل رهينة بما يتلقاه من إعداد وتدريب في هذا المجال، وبما توفره الوثائق الإرشادية الموجهة لممارساته من حضور لهذه الموضوعات، وفي هذا السياق جاءت هذه الدراسة لتستكشف واقع تعليم الأخلاقيات البيئية لدى معلمي الأحياء والجيولوجيا في البرتغال، بوصفهم الأقرب بحكم تخصصهم إلى قضايا البيئة والطبيعة، وللكشف عن الفجوة المحتملة بين ما هو مقرر رسميًا وما يحتاجه المعلمون فعليًا في ممارساتهم الصفية اليومية
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
سعت الدراسة إلى تقصي مدى حضور الأخلاقيات البيئية في الوثائق الإرشادية الموجهة لممارسات معلمي الأحياء والجيولوجيا في البرتغال، وفي برامج الإعداد الأولي والتدريب المستمر المقدمة لهؤلاء المعلمين، إضافة إلى التعرف على ما إذا كان المعلمون أنفسهم يشعرون بحاجة إلى تدريب في هذا المجال، ولتحقيق هذه الأهداف اعتمدت الدراسة على تحليل الوثائق ذات الصلة بالممارسات التدريسية وبرامج التدريب، كما طبقت استبانة تضمنت أسئلة مغلقة وأخرى مفتوحة على المستوى الوطني، بما أتاح الجمع بين الصورة الرسمية كما تعكسها الوثائق والبرامج، وتصورات المعلمين واحتياجاتهم كما يعبرون عنها بأنفسهم، وبما مكن من مقارنة العرض التدريبي المتاح بالطلب التدريبي الذي يبديه المعلمون
ثانيًا: أبرز النتائج
1- أظهر تحليل الوثائق الإرشادية أن الاهتمام بالأخلاقيات البيئية فيها محدود، إذ لا تحظى هذه الموضوعات بحضور بارز في الوثائق الموجهة لممارسات معلمي الأحياء والجيولوجيا، 2- كشف تحليل برامج الإعداد الأولي والتدريب المستمر أن الأخلاقيات البيئية لا تنال اهتمامًا كافيًا فيها كذلك، فهي هامشية الحضور في العروض التدريبية المقدمة للمعلمين قبل الخدمة وأثناءها، 3- أفاد معظم المعلمين بأنهم لم يتناولوا قضايا الأخلاقيات البيئية في إعدادهم الأولي ولا في تدريبهم المستمر، وهو ما يعكس فجوة بين ما يقدم لهم فعليًا وما تتطلبه ممارساتهم الصفية، 4- عبر المعلمون في المقابل عن قناعتهم بأن موضوعات الأخلاقيات البيئية أساسية وضرورية، وأبدوا شعورًا واضحًا بالحاجة إلى تدريب متخصص فيها يمكنهم من تناولها بثقة وعمق
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تنبه نتائج الدراسة مخططي برامج إعداد المعلمين وتدريبهم إلى ضرورة منح الأخلاقيات البيئية موقعًا أوضح في الوثائق الإرشادية وفي برامج الإعداد الأولي والتدريب المستمر، بحيث يمتلك معلمو الأحياء والجيولوجيا الأسس المعرفية والقيمية التي تمكنهم من تناول قضاياها بثقة داخل الصف، كما تبرز النتائج أهمية الاستجابة للاحتياجات التدريبية التي يعبر عنها المعلمون أنفسهم بوصفهم الأقدر على تقدير ما ينقصهم، ولأن تأثير المعلم يمتد إلى طلابه، فإن الاستثمار في تدريبه على الأخلاقيات البيئية يمثل مدخلًا عمليًا للإسهام في مواجهة المشكلات البيئية وبناء أجيال أكثر وعيًا بمسؤولياتها تجاه البيئة، وأكثر قدرة على اتخاذ قرارات بيئية رشيدة في حياتها اليومية
وخلاصة القول إن الدراسة رسمت صورة واقعية لحضور باهت للأخلاقيات البيئية في الوثائق الإرشادية وبرامج تدريب معلمي الأحياء والجيولوجيا في البرتغال، مقابل إدراك متنام لدى المعلمين لأهميتها وشعور صريح بالحاجة إلى التدريب عليها، وهي مفارقة تستدعي إعادة النظر في أولويات إعداد المعلم وتدريبه، بحيث يصبح تعليم الأخلاقيات البيئية مكونًا أصيلًا في التكوين المهني للمعلم، بما يعزز دوره في غرس الوعي البيئي المسؤول لدى طلابه وفي المجتمع عمومًا
