ينظر إلى السياحة البيئية البحرية ورقمنة المنشآت الصغيرة والمتوسطة بوصفهما محركين رئيسين لرفاه المجتمعات الساحلية، إذ تفتح السياحة البيئية أسواقًا جديدة لمنتجات المجتمع وخدماته، بينما تمنح الرقمنة المنشآت المحلية أدوات الوصول والتسويق والإدارة الحديثة، غير أن الأثر المشترك لهذين المحركين في الرفاه، ولا سيما حين يمر عبر تمكين الاقتصاد المحلي، ما يزال غير مستكشف بما يكفي في الأدبيات، وهي فجوة تحاول هذه الدراسة سدها في سياق ساحلي إندونيسي
وتزداد أهمية هذا السؤال في المجتمعات الساحلية التي تعتمد على موارد بحرية حساسة بيئيًا، إذ لا يكفي نمو النشاط السياحي أو انتشار الأدوات الرقمية بذاتهما لضمان تحسن معيشة الأهالي، بل يتوقف الأمر على مدى تحول هذه الفرص إلى قدرات اقتصادية حقيقية بيد المنشآت المحلية ذاتها
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت هذه الدراسة إلى فحص ما إذا كانت السياحة البيئية البحرية ورقمنة المنشآت الصغيرة والمتوسطة تؤثران في رفاه المجتمع المحلي، بوساطة تمكين المنشآت الصغيرة والمتوسطة، وبتعديل من الدعم الحكومي الذي قد يقوي العلاقة بين التمكين والرفاه أو يضعفها
واعتمدت الدراسة مسحًا كميًا مقطعيًا شمل 312 من رواد أعمال السياحة البحرية في مقاطعة ميناهاسا الشمالية بإندونيسيا، وحُللت البيانات بنمذجة المعادلات البنائية بالمربعات الصغرى الجزئية، بما يتيح تقدير الآثار المباشرة وآثار الوساطة والتعديل في نموذج واحد متكامل يربط السياحة البيئية والرقمنة بالتمكين ثم بالرفاه، وبهذا التصميم أمكن اختبار فرضيات الدراسة مجتمعة في آن واحد، والتمييز بدقة بين ما يصل إلى الرفاه مباشرة وما لا يصله إلا عبر بوابة التمكين وحيدة
ثانيًا: أبرز النتائج
١- أظهرت السياحة البيئية البحرية ورقمنة المنشآت الصغيرة والمتوسطة أثرًا إيجابيًا دالًا إحصائيًا في تمكين المنشآت الصغيرة والمتوسطة، فكلما تقدم النشاطان ازدادت قدرات المنشآت المحلية وفرصها
٢- تبين أن الأثر المباشر للسياحة البيئية والرقمنة في رفاه المجتمع المحلي غير دال إحصائيًا، فالنشاطان وحدهما لا يترجمان تلقائيًا إلى تحسن معيشي ملموس للأهالي
٣- وُجد أن تمكين المنشآت الصغيرة والمتوسطة يوسّط العلاقة بين كل من السياحة البيئية البحرية والرقمنة وبين رفاه المجتمع وساطة كاملة، فالتمكين هو الآلية الرئيسة التي يتحول عبرها النشاط إلى رفاه
٤- أظهر الدعم الحكومي بوصفه متغيرًا معدِّلًا أنه يعزز بقوة العلاقة الإيجابية بين تمكين المنشآت والرفاه، فحيثما حضر دعم مؤسسي مؤيد ازداد عائد التمكين على معيشة المجتمع
٥- خلصت الدراسة إلى أن تمكين المنشآت المحلية هو الجسر الحاسم الذي يعبر عليه أثر السياحة البيئية والتحول الرقمي إلى رفاه مجتمعي ملموس، وأن هذا العبور يتضاعف في بيئة مؤسسية داعمة توفرها الحكومة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
توجه هذه النتائج صانعي السياسات في المناطق الساحلية إلى إعادة ترتيب أولوياتهم، فبدل قياس نجاح برامج السياحة البيئية والرقمنة بعدد الأنشطة والمنصات، ينبغي قياسه بمدى تمكين المنشآت المحلية فعليًا من المهارات والتمويل والوصول إلى الأسواق، لأن التمكين هو نقطة التحول التي عندها يصبح النشاط الاقتصادي رفاهًا اجتماعيًا، فبرامج التمكين التي تبني مهارات التسويق الرقمي وتيسر الوصول إلى التمويل وتربط المنشآت بمنصات البيع والحجز تمنح المجتمع المحلي نصيبًا عادلًا من قيمة السياحة بدل تسرب عوائدها إلى وسطاء من خارج المنطقة
كما يستفيد القائمون على تنمية المنشآت الصغيرة والمتوسطة من وضوح الدور المعدِّل للدعم الحكومي، إذ تزداد جدوى برامج التدريب والرقمنة حين تقترن بسياسات داعمة مستقرة، وتفتح الدراسة المجال لبحوث طولية تتتبع تحول التمكين إلى رفاه عبر الزمن، ولمقارنات بين مقاطعات ساحلية تختلف في بيئاتها المؤسسية ومستويات دعمها الحكومي
وخلاصة القول إن السياحة البيئية البحرية ورقمنة المنشآت الصغيرة والمتوسطة لا يصنعان رفاه المجتمعات الساحلية بذاتهما، بل عبر تمكين المنشآت المحلية الذي يوسّط أثرهما وساطة كاملة، ويعززه الدعم الحكومي بوصفه متغيرًا معدِّلًا، فتغدو المعادلة واضحة لمن يريد تنمية ساحلية مستدامة قوامها تمكين أولًا ثم رفاه








