ألقت جائحة كوفيد-19 بظلال ثقيلة على الصحة النفسية للأطفال والأسر في أنحاء العالم، بفعل إجراءات كالتباعد الاجتماعي والتعلم عن بعد وإغلاق المدارس والمرافق، فتعرضت الفئات العمرية الصغيرة لاضطراب مفاجئ في روتينها وعلاقاتها ومصادر أمنها النفسي في مرحلة نمو حساسة
وقد أظهرت البحوث المبكرة آثارًا سلبية في الصحة النفسية وجودة الحياة المرتبطة بالصحة، غير أن معظمها اعتمد مقارنات قبلية بعدية في المراحل الأولى من الجائحة، فظلت الصورة الطويلة الأمد غير واضحة، ومن هنا تبرز الحاجة إلى مراجعة منهجية تجمع الدراسات الطولية التي تابعت الأطفال والمراهقين عبر الزمن، وهو ما تضطلع به هذه الدراسة لرسم خريطة الأدلة المتاحة حول الآثار الممتدة للجائحة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى إجراء مراجعة منهجية للدراسات الطولية فاحصة للآثار الطويلة الأمد لجائحة كوفيد-19 في الصحة النفسية وجودة الحياة لدى الأطفال والمراهقين، والتزمت المراجعة إرشادات بريزما للإبلاغ عن المراجعات المنهجية، وسجلت مسبقًا في السجل الدولي الاستباقي للمراجعات المنهجية قبل الشروع فيها
وبحثت الدراسة منهجيًا في قواعد بيانات ببمد وميدلاين وويب أوف ساينس وسايك إنفو وسايندكس وقاعدة بيانات منظمة الصحة العالمية الخاصة بكوفيد-19، وشملت الدراسات المنشورة حتى الثلاثين من أغسطس 2022، واشترطت للأهلية أن تكون الدراسة طولية أو استباقية قيّمت الصحة النفسية أو جودة الحياة لدى الأطفال والمراهقين من الولادة حتى التاسعة عشرة في عموم المجتمع عبر نقطتين زمنيتين أو أكثر أثناء الجائحة، وقيمت الجودة المنهجية للدراسات المشمولة بنسخة معدلة من قائمة مشروع الممارسة الفعالة في الصحة العامة، وولفت النتائج توليفًا سرديًا
ثانيًا: أبرز النتائج
1- أسفر البحث في الأدبيات عن 5099 نتيجة استبعد منها 4935 نتيجة في مرحلة فحص العناوين والملخصات، وبعد مراجعة 163 مقالة كاملة النص استقر الرأي على إدراج 24 دراسة في المراجعة النهائية
2- تراوحت أحجام عينات الدراسات المشمولة بين 86 مشاركًا و34038 مشاركًا، وتنوعت الفترات الزمنية المدروسة وعدد نقاط التقييم والمخرجات المقيسة تنوعًا واسعًا يعكس حداثة حقل البحث في الجائحة
3- كانت غالبية الدراسات المشمولة متوسطة الجودة المنهجية، وقيست مخرجات الصحة النفسية بتكرار أعلى بكثير من مقاييس جودة الحياة المرتبطة بالصحة التي ظلت أقل حضورًا في الأدبيات الطولية
4- أشارت نتائج الدراسات في معظمها إلى أن الأطفال والمراهقين عانوا مشكلات نفسية متصاعدة أثناء الجائحة، ولا سيما الأعراض الداخلية كالقلق والاكتئاب التي تصدرت الصورة السريرية الموثقة
5- تراجعت جودة الحياة المرتبطة بالصحة لدى الأطفال والمراهقين عمومًا عبر مسار الجائحة، ولم يكن هذا التراجع ليزول بالضرورة مع انتهاء الإغلاقات ورفع القيود
6- أكدت الدراسة ضرورة مواصلة رصد الصحة النفسية والرفاه لدى الأطفال والمراهقين بعد الجائحة لتحديد الفئات المعرضة للخطر وتخطيط التدخلات المناسبة، بدراسات منهجية واسعة تستخدم أدوات متحققًا من صدقها وعينات ممثلة تنتج رؤى موثوقة شاملة لتحسين رعاية الصحة النفسية للنشء
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
توفر هذه المراجعة لصانعي السياسات الصحية والتربوية قاعدة أدلة طولية تؤكد أن آثار الجائحة النفسية في النشء ليست عابرة بالضرورة، وأن التعافي لا يحدث تلقائيًا بمجرد زوال القيود، بل يتطلب متابعة نشطة وخدمات دعم نفسي مدرسية ومجتمعية تستهدف الفئات الأشد تضررًا
كما تنبه الباحثين إلى فجوات منهجية ينبغي سدها، كمحدودية قياس جودة الحياة المرتبطة بالصحة وتباين الأدوات والفترات، وتدعو إلى دراسات طولية واسعة بأدوات موحدة وعينات ممثلة تتيح مقارنات أدق وتقديرات أرسخ لأعباء ما بعد الجائحة النفسية
وتكتسب هذه الأدلة وزنًا إضافيًا من كونها طولية التصميم، إذ تتبعت الأطفال والمراهقين عبر نقاط زمنية متعددة فالتقطت مسار التغير لا صورته اللحظية، وهو ما يميزها عن الدراسات المقطعية التي هيمنت على بحوث الجائحة المبكرة
وخلاصة القول إن الأدلة الطولية المجمعة في هذه المراجعة المنهجية ترسم صورة مقلقة لتصاعد المشكلات النفسية وتراجع جودة الحياة لدى الأطفال والمراهقين أثناء جائحة كوفيد-19 واستمرارها بعدها، بما يجعل الاستثمار في رصد صحتهم النفسية ورعايتها أولوية لا تحتمل التأجيل








