تشهد عمليات إدارة سلاسل الإمداد التقليدية تحولًا عميقًا تقوده التقنيات المتقدمة المنبثقة عن الثورة الصناعية الرابعة، فقد أدى التبني المتسارع لهذه التقنيات إلى نشوء سلاسل الإمداد الذكية التي تدمج التقنيات الحديثة في التوريد والإنتاج والتوزيع والمبيعات، فتغيرت معها طبيعة القرارات الإدارية وأدوات اتخاذها
ويحتل تقييم الموردين واختيارهم في سلاسل الإمداد الذكية موقع القرار الاستراتيجي الذي يمتد أثره إلى أداء السلسلة كلها، ولم يعد كافيًا أن تستند المنظمات في قراراتها إلى معايير الكفاءة وحدها، بل بات لزامًا عليها أن تدمج مبادئ الاستدامة في قراراتها الاستراتيجية جنبًا إلى جنب مع الإنتاج الذكي والكفاءة، وهو ما يجعل مشكلة التقييم معقدة متعددة المعايير ومحفوفة بعدم اليقين، وتأتي هذه الدراسة لمعالجتها بإطار منهجي متكامل
وتتضاعف صعوبة هذا القرار بما يكتنف بيئات الأعمال الحديثة من عدم يقين هجين يجمع بين غموض الأحكام البشرية وتقلب البيانات وندرتها أحيانًا، فلا تعود الأدوات الحاسمة التقليدية كافية لالتقاط هذا التعقيد، ومن هنا اتجهت بحوث اتخاذ القرار إلى المنطق الضبابي وما يتصل به من أطر قادرة على تمثيل درجات الانتماء والتردد في الحكم بدل الثنائيات القاطعة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تطوير نهج لاتخاذ القرار متعدد المعايير في ظل عدم اليقين يعالج مشكلات تقييم الموردين المستدامين الأذكياء واختيارهم، ويدمج هذا النهج بين الأعداد الضبابية متعددة الأضلاع وأعداد زد والفاصل المتوقع والقيمة المتوقعة، لبناء أسلوبين هما المنهجية اللوغاريتمية للأوزان الجمعية وأسلوب تقييم حاصل جمع الضرب المرجح، يوظفان في ترتيب معايير التقييم بحسب أولويتها وتصنيف الموردين بحسب جدارتهم
وقدمت الدراسة ضمن منهجيتها مقاربات جديدة لحساب دوال العضوية وصياغات مقاطع ألفا وعملية التحويل إلى قيم حاسمة في الأعداد الضبابية متعددة الأضلاع، ثم طبقت الإطار في دراسة حالة واقعية في صناعة الأجهزة المنزلية، وختمت بتحليلي حساسية ومقارنة للتحقق من متانة النتائج واتساقها عبر السيناريوهات المختلفة
ثانيًا: أبرز النتائج
1- كشفت دراسة الحالة أن أكثر معايير التقييم أهمية هي خفض الكلفة عبر التقنيات الذكية، واللوجستيات والتصنيع الخضراوان الذكيان، وبيئات العمل الذكية، إذ تصدرت هذه المعايير ترتيب الأولويات في تقييم الموردين المستدامين الأذكياء
2- برز الموردان الثالث والرابع في صدارة الموردين المرشحين لتفوقهما في هذه المجالات الحاسمة، فحازا أعلى المراتب في التصنيف النهائي وفق الأسلوبين المطبقين
3- عالجت الأساليب المقترحة بفاعلية عدم اليقين الهجين الذي يكتنف مشكلات تقييم الموردين واختيارهم في سلاسل الإمداد الذكية، بما يجمع بين غموض التقديرات البشرية وتقلب البيانات المتاحة
4- أكد تحليلا الحساسية والمقارنة متانة الأساليب المقترحة واتساق نتائجها، بما يعزز الثقة في اعتماد الإطار أداة عملية لصنع القرار في بيئات التوريد الذكية والمستدامة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تقدم هذه الدراسة لمديري سلاسل الإمداد إطارًا عمليًا يوازن بين متطلبات الذكاء التقني والاستدامة البيئية والجدوى الاقتصادية في قرار واحد موثق المنهجية، فلم تعد المفاضلة بين الموردين اجتهادًا انطباعيًا بل عملية مرجحة بمعايير مرتبة الأولويات وقابلة للمراجعة والتدقيق
كما يثري الإطار أدبيات اتخاذ القرار متعدد المعايير بإسهامات منهجية في معالجة الأعداد الضبابية متعددة الأضلاع وأعداد زد، ويصلح أساسًا قابلًا للنقل إلى قطاعات صناعية وخدمية أخرى تواجه مشكلات اختيار مشابهة في ظل عدم اليقين، كاختيار الشركاء اللوجستيين أو مواقع المنشآت أو مزودي التقنية
ومن شأن الترتيب الواضح لأولويات المعايير الذي يوفره الإطار أن يوجه استثمارات المنظمات نحو المجالات الأعلى أثرًا في أداء مورديها، كالتقنيات الذكية الخافضة للكلفة واللوجستيات الخضراء وبيئات العمل الذكية، بدل توزيع الجهود بالتساوي على معايير متفاوتة الأهمية، فتتحول إدارة الموردين من علاقات توريد متقطعة إلى شراكات استراتيجية مداراة بمعايير معلنة وقابلة للمراجعة
وخلاصة القول إن الدراسة قدمت إطارًا ضبابيًا متكاملًا لاتخاذ القرار متعدد المعايير يعالج تقييم الموردين المستدامين الأذكياء واختيارهم في ظل عدم اليقين الهجين، وأثبتت تطبيقاته العملية ومتانته التحليلية، بما يجعله إضافة منهجية وتطبيقية لبحوث سلاسل الإمداد الذكية المستدامة
المصدر الأصلي: https://www.mdpi.com/2078-2489/16/3/187
DOI: 10.3390/info16030187
