تعد مرحلة الرشد الناشئ زمنًا يشهد تغيرات إيجابية كثيرة في حياة الشباب، كما يشهد ضغوطًا وحالة من عدم اليقين مع انتقالهم بين الدراسة والعمل وبناء العلاقات والاستقلال، وقد تساعد خصائص نفسية معينة هؤلاء الراشدين على الازدهار والحفاظ على صحة نفسية إيجابية في مواجهة هذه التحولات، وفي مقدمتها القدرة على تنظيم المشاعر، وأسلوب التعلق الذي يحكم علاقاتهم بالآخرين، وتوكيد الذات بمعنى التعبير عن الحقوق والمشاعر بثقة، ويظل مقدار ما تسهم به هذه الخصائص مجتمعة في رفاه الراشدين الناشئين سؤالًا يحتاج إلى فحص تجريبي متكامل، وهو ما تناولته هذه الدراسة لدى عينة من الشباب الفرنسيين في سياق مؤسسات التعليم العالي، ويكتسب هذا السؤال أهمية إضافية لأن كثيرًا من خدمات الدعم النفسي الجامعي تبنى على افتراضات عامة حول احتياجات الشباب، بينما يقدم تحديد المنبئات الدقيقة للرفاه أساسًا لاستهداف أدق للموارد والبرامج، ولتمييز عوامل القوة التي يمكن البناء عليها من عوامل الخطر التي تستدعي التدخل المبكر قبل أن تتطور الصعوبات إلى اضطرابات مكتملة الأركان
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى استكشاف أثر التنظيم الوجداني وأسلوب التعلق وتوكيد الذات في رفاه الراشدين الناشئين، وشملت العينة 360 راشدًا ناشئًا فرنسيًا بلغ متوسط أعمارهم 21.3 عامًا، وقِيس الرفاه بمقياس متصل الصحة النفسية، وقِيس التنظيم الوجداني بمقياس صعوبات التنظيم الوجداني، وقِيس توكيد الذات بمقياس توكيد الذات، وقِيست أساليب التعلق باستبانة مقاييس العلاقات، وحللت الدراسة العلاقات بين هذه المتغيرات وقدرة أبعادها على التنبؤ بالرفاه، مع الانتباه إلى عوامل مصاحبة كتعاطي المواد وتجارب العنف لما لها من صلة بالتنظيم الوجداني والرفاه في هذه المرحلة العمرية الحساسة، بما قدم صورة مركبة عن مصادر القوة النفسية وعوامل الخطر لدى الراشدين الناشئين، وسمح التحليل بفحص الإسهام المستقل لكل متغير ولبعض أبعاده الفرعية في التنبؤ بالرفاه بعد مراعاة المتغيرات الأخرى الداخلة في النموذج، وهو ما ميز بين الروابط السطحية والمنبئات الفعلية، وأبرز أن أبعادًا محددة داخل المقاييس الكلية قد تحمل الوزن التنبؤي الأكبر دون سائر الأبعاد النفسية المرشحة
ثانيًا: أبرز النتائج
1- تنبأ الحكم الذي يصدره الفرد على تجربته الوجدانية الذاتية بالرفاه لدى الراشدين الناشئين، بما يبرز أن موقف الإنسان من مشاعره ذاتها جزء من رفاهه
2- تنبأ الخجل، بوصفه مكوّنًا ضمن توكيد الذات، بالرفاه لدى الراشدين الناشئين، فتؤثر صعوبات التعبير الواثق والحضور الاجتماعي في جودة الحياة النفسية في هذه المرحلة
3- أبرزت الدراسة دور تعاطي المواد وتجارب العنف في التنظيم الوجداني والرفاه لدى الراشدين الناشئين، إذ يرتبطان بمسارات نفسية تستحق الانتباه الوقائي والتدخلي
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تدعم هذه النتائج أهمية التعليم الحضوري والتعليم عن بُعد وجهود الوقاية في دعم رفاه الراشدين الناشئين، وبخاصة في مؤسسات التعليم العالي وفي أزمنة كجائحة كورونا التي عمقت الضغوط والتباعد، إذ يمكن للجامعات بناء برامج تنمي مهارات قبول المشاعر والحكم المتوازن عليها وتوكيد الذات وتخفيف الخجل الاجتماعي، وتصبح مراكز الإرشاد النفسي الجامعي مطالبة بفحص تجارب العنف وتعاطي المواد ضمن تقييماتها لصعوبات التنظيم الوجداني، لا بمعزل عنها، كما تفيد النتائج مصممي برامج التهيئة الجامعية في جعل الرفاه النفسي هدفًا مؤسسيًا يُبنى منذ سنوات الدراسة الأولى، وتفتح الباب لدراسات طولية تتتبع كيف تتغير هذه المنبئات مع تقدم الراشدين عبر مرحلتهم الانتقالية، كما تنبه النتائج صانعي البرامج الوقائية إلى أن تعاطي المواد وتجارب العنف ليسا هامشًا في حياة هذه الفئة، بل عاملان متداخلان مع صعوبات التنظيم الوجداني يستحقان الفحص الروتيني والمسارات الإحالية الواضحة داخل خدمات الجامعة، وأن برامج الرفاه الأكثر جدوى هي التي تجمع بين بناء المهارات النفسية الإيجابية ومعالجة عوامل الخطر الاجتماعية والسلوكية معًا، على نحو متكامل يراعي خصوصية المرحلة الانتقالية وسياقاتها الأسرية والتعليمية والمهنية
وخلاصة القول إن رفاه الراشدين الناشئين يتشكل بتفاعل موقفهم من تجربتهم الوجدانية وقدرتهم على توكيد ذاتهم بلا خجل معوق، وإن دعم مؤسسات التعليم العالي لهذه الجوانب ببرامج تعليم ووقاية حضورية وعن بُعد استثمار مباشر في الصحة النفسية لجيل يبني استقلاله
