يتطلب عمل رجال الإطفاء وخدمات الطوارئ الطبية ضبطًا مستمرًا للمشاعر أثناء التعامل مع مواطنين في مواقف مؤلمة وخطرة، وهو ما يعرف بالعمل الوجداني الذي يستنزف الموارد النفسية للعاملين مع مرور الوقت، ويتخذ هذا العمل صورتين رئيسيتين هما التمثيل السطحي بإظهار مشاعر لا تُحس فعلًا، والتمثيل العميق بمحاولة تعديل المشاعر الداخلية ذاتها، وتثير العلاقة بين هاتين الصورتين والرفاه النفسي لأفراد الإطفاء أسئلة مهمة حول العوامل التنظيمية القادرة على التخفيف من كلفتها، وفي مقدمتها نمط القيادة داخل وحدات العمل، وهو ما تناولته هذه الدراسة في سياق رجال الإطفاء في كوريا الجنوبية مستندة إلى أطر نظرية في إدارة الموارد النفسية وبيئة العمل، وتزداد هذه الأسئلة إلحاحًا في مهن الطوارئ التي يتعامل أفرادها يوميًا مع إصابات وحرائق ومواقف إنسانية قاسية، فتتراكم الضغوط الوجدانية عليهم تراكمًا قد ينعكس إرهاقًا واحتراقًا نفسيًا إذا غابت الموارد المعوضة، ومن ثم لا يكون رفاه رجل الإطفاء شأنًا فرديًا بل متغيرًا تنظيميًا يتصل بجودة الخدمة العامة وسلامة المجتمع ذاته
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
استندت الدراسة إلى رؤى نظرية حفظ الموارد ونظرية متطلبات العمل وموارده، وفحصت العلاقة بين نوعي العمل الوجداني، التمثيل السطحي والتمثيل العميق، والرفاه النفسي لرجال الإطفاء، كما فحصت الدور المعدِّل للقيادة التحويلية في هذه العلاقة، واستخدمت نماذج المربعات الصغرى العادية لتحليل بيانات مسحية جُمعت من 1453 رجل إطفاء في مقاطعة غيونغي دو، وهي أكبر مقاطعات كوريا الجنوبية من حيث عدد القاطنين، وأتاحت ضخامة العينة تقدير العلاقات والتفاعلات بدقة، والكشف عن الفروق بين أثري التمثيل السطحي والعميق في الرفاه، وعن مقدار ما تضيفه القيادة التحويلية من حماية نفسية في بيئة عمل عالية المطالب الوجدانية، وأتاح تحليل التفاعل بين العمل الوجداني والقيادة التحويلية التمييز بين الأثر الرئيس للقيادة وأثرها المعدِّل الذي يظهر في تخفيف علاقة التمثيل السطحي بالرفاه تحديدًا، بما يقدم صورة دقيقة عن مواضع الحماية القيادية وحدودها العملية
ثانيًا: أبرز النتائج
1- كشفت النتائج عن علاقة سالبة بين كلا نوعي العمل الوجداني، التمثيل السطحي والتمثيل العميق، وبين الرفاه النفسي لرجال الإطفاء، فكلما زادت أعباء إدارة المشاعر في العمل تراجع الرفاه النفسي
2- أظهرت النتائج أن القيادة التحويلية تخفف الآثار السلبية للتمثيل السطحي في الرفاه النفسي، فتضعف القيادة الداعمة والملهمة انعكاس إظهار المشاعر المصطنعة على صحة رجل الإطفاء النفسية
3- بينت الدراسة أن القيادة التحويلية تؤدي دورًا محوريًا في تعويض الموارد الوجدانية المفقودة، بما يعزز الصحة النفسية والوجدانية للعاملين في أدوار مجهدة كالإطفاء وخدمات الطوارئ الطبية
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تبرز دلالة هذه النتائج لمديري إدارات الإطفاء وصانعي سياسات الموارد البشرية في القطاعات عالية الخطورة، إذ يصبح الاستثمار في تطوير القيادات التحويلية داخل الوحدات استراتيجية حيوية للحفاظ على الرفاه النفسي لرجال الإطفاء، لا مجرد تحسين إداري عابر، فالقائد الذي يلهم فريقه ويراعي احتياجات أفراده يعوض ما يفقده العاملون من موارد وجدانية أثناء التمثيل السطحي المتكرر، كما تدعو النتائج إلى الانتباه لكلفة العمل الوجداني ذاته عند تصميم أعباء العمل وجداول المناوبات وبرامج الدعم النفسي، وتصلح الدراسة أساسًا لدراسات لاحقة تفحص آليات أخرى معوضة للموارد في مهن الطوارئ، ولمقارنة أثر القيادة التحويلية عبر سياقات ثقافية وتنظيمية مختلفة، ويمكن ترجمة النتائج عمليًا بإدماج مهارات القيادة التحويلية في برامج إعداد قادة الوحدات وتقييم أدائهم، وبناء قنوات إشراف داعمة تتيح لرجل الإطفاء التنفيس عن أعبائه الوجدانية واستعادة موارده، كما يستحسن أن تتضمن سياسات الصحة المهنية فحصًا دوريًا للرفاه النفسي وبرامج دعم نفسي مؤسسي، وأن يُعاد النظر في ثقافة العمل التي تعد كتمان المشاعر علامة قوة، إذ يظهر البحث أن كلفة هذا الكتمان حقيقية وقابلة للقياس والمتابعة
وخلاصة القول إن العمل الوجداني بنوعيه يرتبط سلبًا بالرفاه النفسي لرجال الإطفاء، وإن القيادة التحويلية تمثل موردًا تنظيميًا واقيًا يخفف أثر التمثيل السطحي ويعوض الموارد الوجدانية المستنزفة، بما يجعل تطويرها ركيزة أساسية في سياسات رعاية العاملين في مهن الطوارئ والإطفاء








