تُعد الأفكار الانتحارية من مؤشرات الخطر المبكرة على السلوكيات المهددة للحياة، وترتبط لدى النساء المتزوجات بشبكة معقدة من العوامل الأسرية والاجتماعية والنفسية، غير أن الأدلة المستمدة من بيانات وطنية ممثلة في الدول النامية ما زالت محدودة، وتسد هذه الدراسة المنشورة في مجلة بلوس ون جزءًا من هذه الفجوة بتحليلها بيانات مسح وطني واسع في سريلانكا لفحص انتشار الأفكار الانتحارية لدى النساء المتزوجات أو المقيمات مع شريك والعوامل المرتبطة بها
وتكتسب الدراسة أهميتها من تركيزها على سياق العلاقة الزوجية نفسه، إذ تناولت متغيرات حساسة مثل عنف الشريك والعنف الممتد منذ الطفولة وسن الزواج أو الإقامة المشتركة، وهي عوامل يصعب رصدها في الدراسات السريرية صغيرة النطاق، بينما يتيح المسح الوطني تتبعها عبر عينة واسعة، بما يساعد صناع السياسات الصحية والاجتماعية على تحديد الفئات الأكثر عرضة للخطر وتوجيه برامج الوقاية والدعم النفسي والاجتماعي إليها بدقة أكبر
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تقدير انتشار الأفكار الانتحارية لدى النساء المتزوجات أو المقيمات مع شريك حاليًا في سريلانكا، وفحص العوامل المرتبطة باحتمالات ظهور هذه الأفكار، واعتمدت على بيانات ثانوية من مسح رفاه المرأة لعام 2019 الذي أجرته إدارة الإحصاء والتعداد في سريلانكا، واشتملت عينة الدراسة على ألف وأربعمائة واثنتين وستين امرأة في الخامسة عشرة من العمر فأكثر ممن هن متزوجات أو مقيمات مع شريك ذكر
واستخدمت الدراسة الانحدار اللوجستي الثنائي لتحليل ارتباط الأفكار الانتحارية لدى هؤلاء النساء بمجموعة من المتغيرات المستقلة الاجتماعية والأسرية والنفسية، بما يشمل خصائص العلاقة مع الشريك الحالي وتجارب العنف في مراحل مختلفة من العمر وسن بدء الزواج أو الإقامة المشتركة والحالة العملية، وهو ما أتاح تقدير أثر كل عامل على حدة مع ضبط أثر العوامل الأخرى إحصائيًا
ثانيًا: أبرز النتائج
خلصت الدراسة إلى مجموعة من النتائج يمكن إجمالها في النقاط الآتية
1- بلغت نسبة النساء المتزوجات أو المقيمات مع شريك اللائي أبلغن عن وجود أفكار انتحارية لديهن 13.2 في المئة من المستجيبات، وهي نسبة تكشف حجمًا مقلقًا لهذه الأفكار في هذه الفئة
2- ارتبطت زيادة احتمالات الأفكار الانتحارية بعدة عوامل، أبرزها وجود علاقة للشريك خارج إطار الزواج، ومشاعر انعدام القيمة وعدم الاستقرار، وتعاطي الشريك الكحول، والتعرض للعنف النفسي والعنف الجسدي من الشريك الحالي، والتعرض للعنف الجسدي منذ سن الخامسة عشرة، والتعرض للعنف الجنسي في الطفولة
3- انخفضت احتمالات الأفكار الانتحارية لدى النساء اللائي تزوجن أو بدأن الإقامة المشتركة بين سن العشرين والتاسعة والعشرين مقارنة بمن بدأن بين سن العاشرة والتاسعة عشرة، كما انخفضت لدى النساء غير العاملات مقارنة بغيرهن في التحليل
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تؤكد هذه النتائج الحاجة الملحة إلى التصدي لعنف الشريك والاعتداء الجنسي على الأطفال والزواج المبكر، وإلى العناية بالصحة النفسية للنساء المعرضات للخطر، إذ تتراكم عوامل الخطر عبر مراحل العمر من الطفولة إلى الحياة الزوجية، ويشير ارتباط تعاطي الشريك الكحول والعنف الأسري بارتفاع الاحتمالات إلى أن الوقاية الفعالة لا تقتصر على الفرد بل تشمل الأسرة والمجتمع، عبر برامج الإرشاد الأسري وخدمات الدعم النفسي والاجتماعي وآليات الحماية والرصد المبكر في الرعاية الأولية
وتتصل هذه الظاهرة بأدبيات واسعة تربط الصحة النفسية للمرأة بجودة العلاقات الأسرية وسلامتها من العنف والإساءة، إذ تتراكم آثار الصدمات المبكرة وتجارب العنف المتكررة لتشكل عبئًا نفسيًا يرفع قابلية التعرض للاضطرابات واليأس، ومن هنا تبرز قيمة الدراسات المسحية الوطنية التي ترصد هذه العلاقات على مستوى المجتمع كله، فتقدم لصانع القرار خريطة مخاطر مبنية على الأدلة لا على الانطباعات، وتوجه الموارد نحو الفئات والمناطق الأكثر احتياجًا إلى التدخل الوقائي والدعم النفسي والاجتماعي المبكر
وخلاصة القول إن الأفكار الانتحارية لدى النساء المتزوجات في سريلانكا ظاهرة ذات انتشار ملحوظ ترتبط بعوامل أسرية وعنفية ونفسية قابلة للرصد والتدخل، وإن تحويل هذه النتائج إلى سياسات عملية في مكافحة عنف الشريك وحماية الطفولة وتأجيل الزواج المبكر وتعزيز خدمات الصحة النفسية يمثل خطوة أساسية نحو خفض مخاطر السلوكيات المهددة للحياة لدى النساء
المصدر الأصلي: https://dx.plos.org/10.1371/journal.pone.0312753
DOI: 10.1371/journal.pone.0312753
