يُعد استخراج الكلمات المحورية من المدونات النصية الضخمة خطوة تأسيسية في معالجة اللغة الطبيعية وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، إذ تعتمد عليه مهام تحليل المحتوى وتلخيص النصوص واسترجاع المعلومات وبناء الخرائط المفاهيمية للمجالات المعرفية، غير أن التمييز الدقيق بين الكلمات ذات المحتوى الدلالي والكلمات الوظيفية النحوية ما زال يمثل تحديًا منهجيًا قائمًا أمام الباحثين
وتواجه الأساليب التقليدية القائمة على المدونات وطريقة تردد المصطلح ومعكوس تردد الوثيقة حدودًا واضحة، فهي لا تستطيع حذف الكلمات الوظيفية تلقائيًا، وتعجز عن استخراج البيانات الكمية للمعلمات ذات الصلة بكفاءة، ولا تنظر في معلمتي التردد والمدى معًا عند تقدير الأهمية الكلية للمصطلحات، فضلًا عن صعوبة ترتيب الكلمات المحورية على مستوى المدونة كاملة، وهو ما دفع هذه الدراسة إلى اقتراح طريقة جديدة تتجاوز هذه الحدود مجتمعة
وتتنامى أهمية هذا النوع من الدراسات مع تضخم المدونات الرقمية وتنوع مصادرها، إذ بات الباحثون أمام فيض نصي يفوق قدرات القراءة البشرية المباشرة، فغدت الأدوات الآلية لاستخلاص البنية المفاهيمية للمدونات شرطًا لإجراء مراجعات منهجية رصينة ورسم صورة أمينة لاتجاهات أي حقل علمي وتطوراته عبر الزمن
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تطوير طريقة مبتكرة لاستخراج الكلمات المحورية وترتيبها تستند إلى تقنية التقييم التجميعي المرجح لمجموع حاصل الضرب المعروفة اختصارًا بواسباس، وتتكامل فيها ثلاث ركائز هي طريقة حذف الكلمات الوظيفية وآلة معالجة اللغة الطبيعية وتقنية واسباس ذاتها، بما يسمح بتقييم الأهمية الجوهرية للمصطلحات تقييمًا شاملًا وتقديم صورة كلية عن دلالاتها على مستوى المدونة
وطبق الباحثون الطريقة المقترحة على مدونة مستهدفة مأخوذة من قاعدة شبكة العلوم، تضم خمسًا وثلاثين مقالة بحثية عالية الاستشهاد في مجال أهداف التنمية المستدامة، لتكون مثالًا تحقيقيًا لاختبار كفاءة الطريقة، وقارنوا مخرجاتها بمخرجات الطرائق المنافسة التقليدية في استخراج الكلمات المحورية وترتيبها، معتمدين على البيانات الكمية المستخرجة ومعلمتي التردد والمدى في آن واحد
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت نتائج المقارنة تفوق الطريقة المقترحة على الطرائق التقليدية في استخراج الكلمات المحورية وترتيبها، ويمكن إجمال أبرز ما توصلت إليه الدراسة في النقاط الآتية: 1- نجحت الطريقة في استخراج البيانات الكمية ذات الصلة بكفاءة أعلى، متجاوزة قصور الطرائق التقليدية في هذا الجانب، 2- وازنت الطريقة بين معلمة التردد التي تقيس شيوع المصطلح ومعلمة المدى التي تقيس اتساع انتشاره عبر وثائق المدونة، فجاء تقديرها للأهمية الجوهرية للمصطلحات أكثر شمولًا وتوازنًا، 3- أتاحت الطريقة ترتيب الكلمات المحورية على مستوى المدونة كاملة، بما يقدم نظرة شاملة إلى البنية المفاهيمية للمجال المدروس ويكشف مصطلحاته الأكثر مركزية
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تحمل هذه النتائج دلالات عملية للباحثين في تحليل المدونات اللغوية ودراسات العلوم القائمة على القياسات الببليومترية، إذ تتيح الطريقة المقترحة رسم خرائط دقيقة للمفاهيم السائدة في أي مجال معرفي، وتساعد محرري المجلات وواضعي السياسات البحثية على رصد الموضوعات الصاعدة والفجوات المعرفية، كما يمكن توظيفها في بناء المعاجم المتخصصة وتصنيف الوثائق واسترجاعها بكفاءة أعلى
ويمتد أثر الطريقة إلى تطبيقات أوسع في التعليم والبحث العلمي، إذ يمكن أن تدعم تحليل المناهج الدراسية واستخراج مفاهيمها الجوهرية، وأن تسهم في تطوير أدوات تلخيص آلي أكثر وعيًا بالبنية الدلالية للنصوص، شريطة اختبارها على مدونات بلغات ومجالات متنوعة للتحقق من عمومية أدائها واستقراره
كما يمكن توظيف الطريقة في دعم صناع القرار الأكاديمي عند تخطيط البرامج البحثية وتمويلها، إذ تكشف الكلمات المحورية الأعلى ترتيبًا عن مركز الثقل المعرفي في المجال وعن القضايا التي تستحق أولوية الاهتمام، بينما تشير المصطلحات المتراجعة إلى موضوعات استنفدت زخمها البحثي أو تحتاج إلى مقاربات جديدة تعيد إحياءها
وخلاصة القول إن توظيف تقنية واسباس في معالجة اللغة الطبيعية يقدم حلًا متكاملًا لمشكلات استخراج الكلمات المحورية وترتيبها التي تعاني منها الطرائق التقليدية، ويمنح الباحثين أداة كمية رصينة لقراءة المدونات النصية الكبرى واستخلاص بنيتها المفاهيمية بموضوعية ودقة
