تقرر نظرية التحديد الذاتي أن دعم الاستقلالية شرط أساسي لتعزيز التعلم الأمثل والنمو والأداء الرشيد لدى الطلاب في جميع المراحل التعليمية، فحين يشعر الطالب أن أستاذه يتفهم منظوره ويتيح له الاختيار ويبرر متطلبات التعلم، تزدهر دافعيته الداخلية وانخراطه، بينما يرتبط إحباط الاستقلالية بالتحكم والضغط باختلال أداء الطلاب ومشكلاتهم التعليمية، غير أن العلاقات المتشابكة بين إدراك الطلاب لدعم الاستقلالية وإحباطها ونوعي دافعيتهم المستقلة والمضبوطة وجوانب أدائهم الأكاديمي ظلت بحاجة إلى اختبار متكامل في بيئة التعليم العالي، ومن هنا سعت الدراسة إلى فحص هذه الشبكة من العلاقات في نموذج واحد
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى التحقق من العلاقات بين إدراك الطلاب لدعم الاستقلالية وإحباطها ودافعيتهم المستقلة والمضبوطة وجوانب من أدائهم الأكاديمي في بيئة التعليم العالي، وشملت عينة الدراسة 414 طالبًا جامعيًا نرويجيًا جُندوا من مقررات تمهيدية في حساب التفاضل والتكامل، واعتمدت نمذجة المعادلات البنائية لاختبار المسارات بين المتغيرات في آن واحد، ففحصت كيف يتنبأ كل من الدعم والإحباط بنوعي الدافعية، وكيف تتنبأ الدافعية بدورها بالانخراط والجهد والتعلم والحيوية لدى الطلاب، بما يقدم اختبارًا تجريبيًا لافتراضات نظرية التحديد الذاتي في سياق المحاضرات الجامعية
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت نمذجة المعادلات البنائية مجموعة من النتائج حول شبكة الدعم والإحباط والدافعية، وجاءت أبرز النتائج على النحو الآتي
1- أظهرت النتائج أن إدراك دعم الاستقلالية يتنبأ إيجابًا بالدافعية المستقلة لدى الطلاب ويرتبط سلبًا بدافعيتهم المضبوطة
2- بينت النتائج أن إحباط الاستقلالية يرتبط سلبًا بالدافعية المستقلة ويتنبأ إيجابًا بالدافعية المضبوطة، مؤكدًا وجهه المظلم في خبرة الطلاب التعليمية
3- كشفت الدراسة أن الدافعية المستقلة تتنبأ بالانخراط والجهد والتعلم لدى الطلاب، بما يجعلها محرك النواتج التعليمية الإيجابية
4- أظهرت النتائج أن الدافعية المضبوطة ترتبط سلبًا بالحيوية والانخراط لدى الطلاب، في حين تتنبأ إيجابًا ببذل الجهد
5- جاءت النتائج في مجملها متسقة مع مبادئ نظرية التحديد الذاتي، ومؤكدة أهمية توفير بيئة داعمة للاستقلالية خلال محاضرات التعليم العالي
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تحمل نتائج الدراسة دلالات عملية لأعضاء هيئة التدريس في الجامعات، إذ توجههم إلى تبني ممارسات داعمة للاستقلالية في المحاضرات كتقديم المبررات وتقدير منظور الطلاب وإتاحة خيارات ذات معنى، والابتعاد عن الأساليب المتحكمة التي تحبط استقلالية الطلاب، فالبيئة الداعمة تغذي الدافعية المستقلة التي تحمل الانخراط والتعلم، بينما يغذي الإحباط دافعية مضبوطة قد تدفع الجهد قصيرًا لكنها تستنزف الحيوية والانخراط
كما تثري النتائج أدبيات الدافعية الأكاديمية بتمييزها الدقيق بين أثري الدعم والإحباط وبين نوعي الدافعية ونواتج كل منهما، وتشجع الباحثين على دراسات تدخلية تختبر برامج تدريب الأساتذة على دعم الاستقلالية، وعلى فحص هذه العلاقات في مقررات وثقافات جامعية أخرى، وفي مراحل تعليمية أدنى حيث تتشكل اتجاهات الطلاب نحو التعلم
وتستند الدراسة في تفسير نتائجها إلى تراث نظري ممتد داخل نظرية التحديد الذاتي يميز بين المناخات التعليمية الداعمة للاستقلالية وتلك المتحكمة، ويرصد آثار كل منهما في نواتج الطلاب المعرفية والوجدانية والسلوكية، ويمنح التصميم القائم على نمذجة المعادلات البنائية النتائج قدرة على اختبار شبكة العلاقات دفعة واحدة، بدل الاكتفاء بارتباطات ثنائية متفرقة قد تخفي المسارات غير المباشرة، فجاءت الصورة مترابطة تتوسط فيها الدافعية بنوعيها بين المناخ التعليمي الذي يدركه الطلاب ونواتجهم الأكاديمية المتعددة
كما يلفت الانتباه في النتائج التفريق الدقيق بين الانخراط والحيوية من جهة والجهد من جهة أخرى، فالدافعية المضبوطة قد تستخرج جهدًا من الطالب بدافع الضغط والالتزام الخارجي، لكنها في الوقت ذاته تستنزف حيويته وانخراطه الوجداني في التعلم، وهو تفريق له قيمته العملية لأعضاء هيئة التدريس إذ يحذرهم من الاغترار بمؤشرات الجهد الظاهرة وحدها مقياسًا لسلامة المناخ التعليمي، ويوجههم إلى ملاحظة مؤشرات الحيوية والانخراط التي تحمل التعلم العميق والمستدام
وخلاصة القول إن الدراسة أثبتت لدى 414 طالبًا جامعيًا نرويجيًا أن دعم الاستقلالية يغذي الدافعية المستقلة ونواتجها الإيجابية في الانخراط والجهد والتعلم، وأن إحباطها يغذي الدافعية المضبوطة ويستنزف الحيوية، بما يجعل توفير بيئة محاضرات داعمة للاستقلالية مطلبًا محوريًا في التعليم العالي








