أصبحت تطبيقات الهاتف المحمول خلال العقدين الماضيين قناة شائعة للتواصل بين الأطباء ومرضاهم، ويستخدم الأطباء أساسًا نوعين من التطبيقات، تطبيقات التواصل الاجتماعي مثل وي تشات، وتطبيقات المنصات الطبية المتخصصة مثل هاودف، ويطرح هذا الانتشار سؤالًا عن العوامل التي توجه اختيار الطبيب لنوع التطبيق الذي يتواصل به مع مرضاه، وهل يقتصر الأمر على الخصائص التقنية للتطبيق أم يتجاوزها إلى طبيعة العلاقات الاجتماعية في المجتمع المحلي الذي يعمل فيه الطبيب، وتأتي هذه الدراسة لتفحص هذا السؤال بمقارنة مدينتين صينيتين تمثلان مرحلتين مختلفتين من تحول المجتمع، بما يفتح نافذة على أثر السياق الاجتماعي في تبني التقنيات الرقمية داخل الممارسة الطبية اليومية
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى الإجابة عن سؤالين رئيسين، أولهما مدى اختلاف أنماط تبني الأطباء لتطبيقات التواصل مع المرضى بين مجتمعين مختلفين، وثانيهما أسباب اختيار الأطباء لتطبيقات بعينها دون غيرها، واعتمدت الدراسة المنهج المختلط الذي يجمع بين التحليل الكمي والمقابلات النوعية، إذ قورنت أنماط التبني في ثلاث مجموعات من المستشفيات من المستوى الثالث، وهي المستشفيات الأعلى في هانغتشو، والمستشفيات المتوسطة في هانغتشو، والمستشفيات المتوسطة في يانتشنغ، وقيس التبني بمؤشرين هما نسبة الأطباء المستخدمين لتطبيق المنصة الطبية هاودف من إجمالي الأطباء، ومتوسط عدد الخدمات المقدمة لكل طبيب، كما أجري تحليل المحتوى الموضوعي لبيانات نوعية جمعت من مقابلات شبه مقننة مع عشرين طبيبًا اختيروا قصديًا في المدينتين
ثانيًا: أبرز النتائج
١- بلغت نسبة الأطباء الذين تبنوا تطبيق هاودف في المجموعات الثلاث على الترتيب 49،97 في المئة و41 في المئة و32،03 في المئة، بما يظهر تدرجًا واضحًا يرتبط بمرحلة تحول المجتمع ومستوى المستشفى
٢- بلغ متوسط عدد الخدمات لكل طبيب في المجموعات الثلاث 261 خدمة و182 خدمة و39 خدمة على الترتيب، وهو فارق كبير يعكس اختلاف كثافة الاستخدام الفعلي للمنصة الطبية بين المجتمعات المدروسة
٣- أظهرت المقابلات أن أطباء يانتشنغ أكثر ميلًا إلى استخدام تطبيقات التواصل الاجتماعي للتواصل مع مرضاهم مقارنة بنظرائهم في هانغتشو، حفاظًا على روابطهم الاجتماعية مع الأقارب والأصدقاء والزملاء وغيرهم
٤- بينت النتائج أن منطق استخدام تطبيقات التواصل الاجتماعي في المجتمع التقليدي ذي الروابط الوثيقة يقوم على حاجة الأطباء إلى تعظيم منفعة معارفهم وخبراتهم عبر صيانة علاقاتهم الاجتماعية بالآخرين
٥- في المقابل يقوم منطق استخدام تطبيقات المنصات الطبية في المجتمع الحديث الذي ضعفت فيه الروابط الوثيقة تدريجيًا على حاجة الأطباء إلى تسويق سمعتهم المهنية، لأنفسهم أو للمؤسسات والأقسام والمستشفيات التي ينتمون إليها
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تظهر دلالات الدراسة أن اختيار الأطباء لأدوات التواصل الرقمي ليس قرارًا تقنيًا خالصًا، بل يتأثر تأثرًا عميقًا بالسياق الاجتماعي الذي يعملون فيه، ومن ثم فإن تصميم منصات الصحة الرقمية وتسويقها ينبغي أن يراعيا طبيعة العلاقات الاجتماعية السائدة في كل مجتمع، فحيث تسود الروابط الوثيقة تظل تطبيقات التواصل الاجتماعي قناة مفضلة يصعب إزاحتها، وحيث يتقدم التحول الاجتماعي تتقدم المنصات الطبية المتخصصة بوصفها أدوات لبناء السمعة المهنية، ويفيد فهم هذا التباين مخططي الخدمات الصحية ومديري المستشفيات في اختيار قنوات التواصل الملائمة لبيئاتهم المحلية وتوقع أنماط تبنيها لدى كوادرهم
وتكتسب هذه المقارنة أهميتها من كونها تنقل النقاش حول تبني التقنيات الصحية من مستوى الخصائص الفردية للطبيب أو التطبيق إلى مستوى البنية الاجتماعية المحيطة بالممارسة الطبية، فالطبيب لا يختار أدواته في فراغ، بل داخل شبكة من العلاقات والتوقعات والعادات المهنية التي تشكلها مدينته ومؤسسته، وكلما اتسع فهم هذا البعد الاجتماعي أمكن تصميم تدخلات أدق لرفع تبني المنصات الطبية حيث يراد لها أن تتقدم، واحترام القنوات الاجتماعية القائمة حيث تمثل قيمة حقيقية للمرضى والأطباء معًا في بيئاتهم المحلية المختلفة
وخلاصة القول إن هذه الدراسة تقدم دليلًا على أن تبني الأطباء لتطبيقات التواصل مع المرضى يتشكل بمرحلة تحول مجتمعاتهم، فتتقدم تطبيقات التواصل الاجتماعي حيث تشتد الروابط التقليدية، وتتقدم المنصات الطبية حيث تبرز دوافع السمعة المهنية، وهو ما يجعل السياق الاجتماعي متغيرًا أساسيًا في أي تحليل لانتشار التقنيات الصحية الرقمية وتطبيقاتها
المصدر الأصلي: https://www.frontiersin.org/articles/10.3389/fpubh.2024.1320949/full
DOI: 10.3389/fpubh.2024.1320949
