0505276099للتواصل والاتصال
دليل عملي

من المختبر إلى السياسة: تحليل نقدي لنماذج صنع السياسات المستنيرة بالأدلة في الرعاية الصحية

تحلل الدراسة نقديًا تسعة نماذج لصنع السياسات المستنيرة بالأدلة في الرعاية الصحية حددتها مراجعة منهجية في قواعد ببميد وشبكة العلوم وسكوبس، وترصد مواطن قوتها في الشمول والمرونة والأسس النظرية وقيودها في افتراض العقلانية وضعف مراعاة التعقيد والسياق، وتقترح إثراءها بمفاهيم علم اجتماع المعرفة ونظرية التغيير وعلم التعقيد

يُعد توظيف الأدلة البحثية في صنع السياسات عملية معقدة ومليئة بالتحديات، ذات تاريخ طويل في مجالات متعددة يتصدرها مجال الرعاية الصحية، وتبرز أهمية هذه القضية في القرارات الصحية التي تمس ملايين الأفراد وتتوزع فيها الموارد المحدودة، حيث يفترض أن تقوم الخيارات على أفضل ما يتيحه البحث العلمي من معرفة رصينة، وقد استُخدمت مصطلحات ومفاهيم كثيرة لوصف العلاقة بين البحث والسياسة، غير أنها كثيرًا ما افتقرت إلى الوضوح والإجماع، ولمعالجة هذه الفجوة اقترح الباحثون استراتيجيات ونماذج متعددة لتيسير صنع السياسات المستنيرة بالأدلة وتحديد العوامل والآليات الرئيسة المؤثرة فيه، وتأتي هذه الدراسة لتحليل تلك النماذج نقديًا وتقييم مواطن قوتها وحدودها

أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها

هدفت الدراسة إلى مراجعة نماذج صنع السياسات المستنيرة بالأدلة في الرعاية الصحية مراجعة نقدية وتقييم نقاط قوتها وقيودها، واعتمدت على بحث ومراجعة منهجيين لتحديد النماذج وتقييمها تقييمًا نقديًا، إذ فتش الباحثون في قواعد بيانات ببميد وشبكة العلوم وسكوبس بوصفها قواعد إلكترونية رئيسة، وطبقوا معايير إدراج محددة مسبقًا لاختيار النماذج، واستندت المعايير إلى صلة النموذج المباشرة بعملية توظيف الأدلة البحثية في رسم السياسات الصحية وتوافر وصف كاف لمكوناته وآلياته، كما تتبعوا استشهادات النماذج المشمولة للوقوف على وجهات نظر باحثين آخرين حولها، ثم وصفوا كل نموذج ونقدوه بالتفصيل وناقشوا سماته وحدوده

ثانيًا: أبرز النتائج

حددت المراجعة تسعة نماذج لصنع السياسات المستنيرة بالأدلة في الرعاية الصحية، ورصدت مواطن قوة مشتركة بينها وقيودًا متكررة، وجاء هذا الرصد ثمرة تحليل مقارن وصفي ونقدي لكل نموذج على حدة ثم استخلاص السمات والحدود المشتركة بين النماذج التسعة، ويمكن إجمال أبرز النتائج على النحو الآتي

1- أظهرت النماذج مواطن قوة في جوانب الشمول والمرونة والأسس النظرية التي تنطلق منها

2- تفترض النماذج ضمنيًا أن صنع السياسات عملية عقلانية، وهو افتراض لا يعكس دائمًا واقع الممارسة السياسية

3- تفتقر النماذج إلى بدائل ملائمة للمواقف الحساسة للوقت التي تتطلب قرارات سريعة في الأزمات الصحية

4- لا تستوعب النماذج تعقيد السياسات استيعابًا كافيًا، وتغفل الآثار غير المقصودة للقرارات، وتراعي السياق بدرجة محدودة

5- تتسم مفاهيم التعقيد في النماذج بعدم الكفاية، وتقدم إرشادًا محدودًا للتعاون بين الأطراف، ولا تحدد كيفية تكييف الأدلة مع السياقات المختلفة

ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها

تخلص الدراسة إلى أن النماذج المراجعة تقدم أطرًا مفيدة لصنع السياسات المستنيرة بالأدلة، غير أنها تحتاج إلى مزيد من التطوير لمعالجة حدودها، ويمكن إثراؤها بمفاهيم مستمدة من علم اجتماع المعرفة ونظرية التغيير وعلم التعقيد، كما ينبغي للنماذج المستقبلية أن تراعي تعقيد العلاقات بين البحث والسياسة مراعاة أفضل، وأن تقدم استراتيجيات مصممة خصيصًا بحسب سياق السياسة المعنية، بما يجعل توظيف الأدلة في القرارات الصحية أكثر واقعية ومرونة واستجابة لمتغيرات الممارسة، ويمتد ذلك إلى تعامل صناع السياسات مع الأدلة في ظل ضغوط الوقت وتعارض المصالح، وهي ظروف تحضر بقوة في القرارات الصحية الكبرى

وتنطلق الحاجة إلى هذه النماذج من فجوة متكررة بين إنتاج المعرفة البحثية واستخدامها الفعلي في القرارات، إذ تتداخل في عملية صنع السياسة اعتبارات علمية وسياسية واقتصادية وقيمية يصعب اختزالها في مسار خطي واحد، ومن ثم تعددت المحاولات النظرية لتصوير هذه العملية وضبط مكوناتها ومراحلها

وتتقاطع هذه القيود لتكشف فجوة بين الصورة المثالية التي تفترضها النماذج للعلاقة بين البحث والسياسة وبين الواقع العملي المتشابك لصنع القرار الصحي، وتمنح نتائج التحليل الباحثين وصناع السياسات خريطة نقدية تعين على اختيار النماذج وتكييفها بوعي بحدودها بدل التعامل معها بوصفها وصفات جاهزة، وتدفع نحو جيل جديد من النماذج أكثر واقعية وتكاملًا

وخلاصة القول إن نماذج صنع السياسات المستنيرة بالأدلة في الرعاية الصحية أطر مفيدة لكنها محدودة بافتراضات عقلانية وضعف مراعاة التعقيد والسياق، وتطويرها بمفاهيم علم اجتماع المعرفة ونظرية التغيير وعلم التعقيد وباستراتيجيات مصممة لسياقاتها يمثل الخطوة اللازمة نحو سياسات صحية أكثر استنارة بالأدلة

سلة طلب الرسائل (0)