تشير القدرة المكانية إلى قدرة الفرد على توليد الصور البصرية المجردة والاحتفاظ بها ومعالجتها في ذهنه، وقد أظهرت بحوث أجريت خلال العقود القليلة الماضية أن هذه القدرة أساسية لنمو المهارات الرياضية لدى الأطفال، ثم اتجهت دراسات لاحقة إلى نمو القدرة المكانية لدى البالغين فوجدت أنها منبئ بالنجاح في مجالات العلوم والتقنية والهندسة والرياضيات في الدراسات الأكاديمية، وفي الآونة الأخيرة توجه الاهتمام أيضًا إلى مجال آخر ذي صلة هو العمارة، غير أن هذه الفئة لم تُبحث على نطاق واسع فيما يتصل بقدراتها على التفكير المكاني، رغم اعتماد دراسة العمارة وممارستها على التصور المكاني للأشكال والمباني والفضاءات، وتشكل القدرة المكانية أساسًا لكثير من المهام المهنية في الهندسة والعمارة مثل قراءة المخططات وتصميم النماذج وتقدير الأبعاد والعلاقات بين الأجسام والأشكال في الفراغ المحيط
واستجابة لهذه الفجوة صمم الباحثون برنامجًا تدريبيًا جديدًا يهدف إلى تحسين القدرات المكانية لدى طلاب الهندسة والعمارة، وقد تميز البرنامج بابتكاره في الجمع بين أساليب التعليم التقليدية والأساليب القائمة على الحاسوب، وبمزجه بين التعلم الوجاهي وبناء النماذج باليد وأدوات الواقع المعزز، كل ذلك في برنامج قصير لا تتجاوز مدته عشرين ساعة، وسعى البحث إلى الإجابة عن سؤالين رئيسين يتعلق أولهما بمدى فاعلية البرنامج التدريبي في تحسين القدرة المكانية لدى الطلاب، ويتعلق ثانيهما ببقاء هذا التحسن قائمًا عبر عوامل مختلفة مثل النوع الاجتماعي والكلية ومستوى الرياضيات السابق لدى الطالب قبل الالتحاق بالبرنامج
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص كفاءة برنامج تدريبي جديد في تحسين القدرات المكانية لدى طلاب السنة الأولى في كليتي الهندسة والعمارة، والتحقق من استمرارية التحسن عبر متغيرات النوع والكلية ومستوى الرياضيات، وطُبق البرنامج الذي استند إلى برامج تدخلية سابقة على مجموعة من الطلاب لمدة عشرين ساعة، جمع فيها بين التعليم الوجاهي وبناء النماذج يدويًا وأدوات الواقع المعزز والأساليب الحاسوبية، وقيست القدرة المكانية لدى الطلاب قبل التدريب وبعده وقورنت نتائجهم بنتائج مجموعة ضابطة لم تتلق البرنامج، بما يتيح عزو الفروق المرصودة إلى البرنامج التدريبي ذاته لا إلى عوامل أخرى مصاحبة
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت نتائج الدراسة فاعلية واضحة للبرنامج التدريبي يمكن إجمالها في النقاط الآتية
١- تحسنت القدرات المكانية لدى الطلاب الذين خاضوا البرنامج التدريبي تحسنًا دالًا مقارنة بالمجموعة الضابطة، بما يؤكد أن القدرة المكانية قابلة للنمو والتنمية بالتدريب المقصود حتى في المرحلة الجامعية
٢- صحت هذه النتائج لدى طلاب الهندسة وطلاب العمارة على حد سواء، فقد استفادت الفئتان من البرنامج بدرجات متقاربة، مما يدعم توظيف البرنامج عبر التخصصات المعتمدة على التفكير المكاني في الجامعات
٣- أثبت البرنامج التدريبي كفاءته بغض النظر عن النوع الاجتماعي للطالب أو مستواه السابق في الرياضيات، فلم تتوقف فاعليته على تفوق رياضي مسبق ولم تقتصر على فئة دون أخرى من الطلاب المشاركين في التجربة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تحمل النتائج دلالات تطبيقية مهمة لكليات الهندسة والعمارة ومصممي المناهج الجامعية، فهي تقترح إدماج برامج قصيرة مكثفة لتنمية القدرة المكانية في مقررات السنة الأولى، خاصة أن البرنامج حقق أثره في عشرين ساعة فقط بفضل تنويع أساليبه بين الوجاهي واليدوي والرقمي والواقع المعزز، كما تنبه إلى أن الاستثمار المبكر في هذه القدرة قد يدعم نجاح الطلاب اللاحق في مجالات العلوم والتقنية والهندسة والرياضيات والعمارة، وتدعو إلى بحوث لاحقة تتابع بقاء أثر التدريب على المدى الطويل وعلاقته بالتحصيل الفعلي في المقررات التخصصية المتقدمة
وخلاصة القول إن هذه الدراسة قدمت دليلًا على أن برنامجًا تدريبيًا قصيرًا يجمع بين الأساليب التقليدية والحاسوبية وبناء النماذج والواقع المعزز قادر على تحسين القدرة المكانية لدى طلاب الهندسة والعمارة في سنتهم الأولى تحسنًا دالًا، بصرف النظر عن النوع أو مستوى الرياضيات السابق، بما يجعله إضافة عملية واعدة إلى منظومات دعم الطلاب في التخصصات المكانية








