تؤدي انفعالات معلمي اللغة الثانية دورًا مؤثرًا في رفاههم المهني وفي أداء طلابهم وتحصيلهم، فالمعلم الذي يعيش انفعالات إيجابية كالاستمتاع والفخر يبث طاقة مختلفة في صفه عمن يعاني القلق والغضب بصورة مزمنة، غير أن الدراسات السابقة ركزت في أغلبها على العوامل الفردية المؤثرة في انفعالات هؤلاء المعلمين وتركت العوامل البيئية المحيطة بعملهم أقل استكشافًا
وتتكون بيئة العمل الداعمة من أبعاد متكاملة تشمل المناخ المدرك والعلاقة الإشرافية وتفاعل مجموعة الأقران والدعم التنظيمي المدرك، ويقتضي فهم أثرها تفكيك أثر كل بعد في كل انفعال على حدة، إذ قد لا تعمل الأبعاد كلها بالطريقة نفسها ولا بالقوة نفسها، وهو ما سعت هذه الدراسة إلى كشفه لدى معلمي اللغة الثانية في الصين
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص كيفية ارتباط أبعاد بيئة العمل الداعمة الأربعة بانفعالات معلمي اللغة الثانية المتمثلة في الاستمتاع والقلق والفخر والغضب، معتمدة عينة من أربعمائة وستة معلمين صينيين للغة الثانية أكملوا مقياسين صادقين أحدهما لقياس بيئة العمل الداعمة والآخر لقياس انفعالات المعلمين المهنية
وحللت البيانات بنمذجة المعادلات البنيوية بالمربعات الصغرى الجزئية باستخدام برنامج سمارت بي إل إس، بما أتاح تقدير الآثار المباشرة لكل بعد من أبعاد بيئة العمل الداعمة في كل انفعال من الانفعالات الأربعة ضمن نموذج واحد متكامل يراعي التداخلات بين الأبعاد والانفعالات ويمنح صورة أدق من التحليلات المنفصلة لكل علاقة على حدة
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج خريطة دقيقة ومتباينة لآثار بيئة العمل الداعمة في انفعالات المعلمين، يمكن إجمالها في النقاط الآتية
١- أظهر المناخ المدرك وتفاعل مجموعة الأقران والدعم التنظيمي المدرك أثرًا إيجابيًا دالًا في استمتاع المعلمين بعملهم، في حين لم يكن للعلاقة الإشرافية أثر دال في هذا الانفعال
٢- أظهر تفاعل مجموعة الأقران والدعم التنظيمي المدرك أثرًا سلبيًا دالًا في قلق المعلمين بمعنى أنهما يخفضانه، في حين لم يظهر للمناخ المدرك والعلاقة الإشرافية أثر دال فيه
٣- انفرد تفاعل مجموعة الأقران بأثر إيجابي دال في فخر المعلمين دون بقية الأبعاد، وانفرد الدعم التنظيمي المدرك بأثر سلبي دال في غضب المعلمين بمعنى أنه يخفضه دون بقية الأبعاد
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
وتدل هذه النتائج على أن دعم المعلمين انفعاليًا ليس إجراءً واحدًا عامًا بل حزمة تدخلات متمايزة، فتعزيز تفاعل الأقران يخدم الاستمتاع والفخر ويخفض القلق، والدعم التنظيمي يعزز الاستمتاع ويخفض القلق والغضب معًا، ومن ثم تفيد النتائج إدارات المدارس ومصممي برامج إعداد معلمي اللغة الثانية وتطويرهم المهني في توجيه جهود الدعم نحو الأبعاد الأعلى أثرًا بدل الاكتفاء بالحلول العامة غير المتمايزة
وتندرج هذه الدراسة ضمن اهتمام متنام بعلم نفس معلمي اللغات بوصفه حقلًا مستقلًا يدرس حياة المعلمين الوجدانية والمهنية، إذ يواجه معلمو اللغة الثانية ضغوطًا خاصة منها كبر حجم الفصول الدراسية وتنوع خلفيات المتعلمين اللغوية والثقافية ومتطلبات التواصل بلغة غير لغة المتعلمين الأم، وتلعب مجتمعات التعلم المهنية وشبكات الأقران دورًا محوريًا في تخفيف العزلة المهنية التي يعانيها كثير من المعلمين، كما تبرز أهمية القيادة المدرسية الوجدانية التي تقر بجهود المعلمين وتدعمهم، ويمنح فهم الخريطة الدقيقة لمصادر انفعالات المعلمين المؤسسات التعليمية قدرة على التدخل المبكر قبل تحول القلق والغضب المزمنين إلى احتراق مهني وترك للمهنة
ولا يقتصر أثر انفعالات المعلمين على المعلمين أنفسهم، بل ينتقل إلى الطلاب عبر ما يعرف بالعدوى الوجدانية داخل الصف الدراسي، فينعكس حماس المعلم على دافعية طلابه وانخراطهم، وينعكس قلقه وغضبه على مناخ التعلم وتحصيله سلبًا، وهو ما يرفع كلفة إهمال البيئات الداعمة في المؤسسات التعليمية
وخلاصة القول إن بيئة العمل الداعمة تعمل بوصفها منظومة وقائية ومعززة لانفعالات معلمي اللغة الثانية، لكن أبعادها لا تتساوى في الأثر ولا تعالج الانفعالات كلها، فتفاعل الأقران والدعم التنظيمي هما الرافعتان الأقوى، بينما تحتاج العلاقة الإشرافية إلى إعادة نظر في كيفية تفعيلها لدعم المعلمين وجدانيًا ومهنيًا
المصدر الأصلي: https://www.mdpi.com/2076-328X/14/5/370
DOI: 10.3390/bs14050370
