رسخت السياحة التعليمية في المناطق الطبيعية المحمية مكانتها استراتيجية قيّمة لتعزيز الاستدامة، إذ تدمج خبرات التعلم الميداني بأهداف المحافظة على الطبيعة والتنمية المحلية للمجتمعات المحيطة بها، غير أن الأدبيات الدولية ما زالت تقدم أدلة محدودة عن الشروط التي تيسر تطبيقها في السياقات غير النظامية، لا سيما ما يتصل بتوافر البنية التحتية التفسيرية العامة المخصصة للزوار واتساقها وجودتها، وهي بنية تدعم العمليات التعليمية بما تقدمه من مسارات ولوحات ومواد إعلامية، ويزداد الفراغ وضوحًا في غياب دراسات تشخيصية تربط بين إمكانات السياحة التعليمية وخصائص المشهد الطبيعي نفسه بوصفه موردًا تربويًا، وتزداد أهمية هذا التشخيص مع تنامي إقبال الزوار على السياحة البيئية والتعليمية وبحث المؤسسات التعليمية عن فضاءات تعلم مفتوحة خارج جدران الفصول الدراسية، وهو ما تصدت له هذه الدراسة بحالة تطبيقية من إقليم كاستيا لا مانتشا في إسبانيا
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص العلاقة بين السياحة التعليمية وخصائص المشهد الطبيعي، وتحديد المناطق الطبيعية المحمية الأكثر ملاءمة لتطوير مبادرات السياحة التعليمية فيها، واختيرت محافظة ثيوداد ريال في إقليم كاستيا لا مانتشا حالة للدراسة لأنها تضم أعلى تركز إقليمي للمناطق الطبيعية المحمية وتنوعًا لافتًا في المشاهد الطبيعية، واعتمدت الدراسة استمارة ميدانية موحدة جردت بها خمسًا وثلاثين منطقة طبيعية محمية وقوّمتها وفق ثلاثة أبعاد رئيسة هي التجهيز التفسيري للزوار، وإمكانية الوصول، والمواد الإعلامية المتاحة، بما في ذلك إدماج محتوى المشهد الطبيعي موردًا تربويًا في هذه المواد، وخضعت المتغيرات المستخدمة لتحليل مقارن نقدي مكّن من توصيف المساحات المدروسة وتنظيمها في فئات بحسب جاهزيتها التعليمية والسياحية، وتوفر هذه المنهجية خط أساس موثقًا يمكن قياس التقدم عليه في جولات تشخيص لاحقة عند تنفيذ خطط التحسين
ثانيًا: أبرز النتائج
كشفت الدراسة عن صورة متفاوتة لأوضاع المناطق المدروسة، ويمكن إجمال نتائجها فيما يأتي، 1- ظهر تباين إقليمي واضح بين المناطق في توافر المرافق والتجهيزات وحالة صيانتها ودرجة اندماجها الفعلي في العرض التفسيري المقدم للزوار، بما يعكس تفاوت الجهد المؤسسي والاستثمار بين منطقة وأخرى، 2- ما زالت المقاربات الشاملة التي تجمع بين الأبعاد الثلاثة نادرة، إذ تميل أغلب المناطق إلى التميز في بعد واحد على حساب غيره، 3- لم تنجح إلا قلة محدودة من المواقع في الجمع الملائم بين التجهيز التفسيري وسهولة الوصول وثراء المواد الإعلامية ومحتوى المشهد، فترسخت بذلك جيوبًا ذات إمكانات سياحية وتعليمية عالية تستحق الأولوية في التطوير، 4- أكدت النتائج في مجملها أن المشهد الطبيعي ما زال موردًا غير مستغل بما يكفي في التفسير والتعليم رغم كونه جوهر التجربة في هذه المناطق
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
توجه هذه النتائج مخططي السياحة ومديري المناطق المحمية إلى ضرورة تطوير بنية تحتية متماسكة ومتكاملة بدل الاجتزاء في تجهيزات متفرقة، وإلى اعتبار المشهد الطبيعي عنصرًا تفسيريًا رئيسًا في السياحة التعليمية لا مجرد خلفية جمالية للزيارة، كما يوفر المنهج التشخيصي الذي اعتمدته الدراسة أداة عملية قابلة للنقل إلى أقاليم أخرى لفرز المناطق بحسب جاهزيتها وتوجيه الاستثمار نحو المواقع الأعلى إمكانًا أولًا، مع معالجة فجوات الوصول والمواد الإعلامية في باقي المواقع، وبذلك يمكن أن تتحول السياحة التعليمية من نشاط موسمي محدود إلى رافد مستدام يدعم المحافظة على الطبيعة ويرفع وعي الزوار البيئي في وقت واحد، وتنسجم هذه التوجهات مع التحول العالمي نحو سياحة مسؤولة بيئيًا تقلل الأثر السلبي للزوار وترفع عائد المجتمعات المحلية، وتجعل من زيارة المناطق المحمية تجربة تعلم تحولي قد تغير سلوك الزائر وعلاقته بالبيئة بعد عودته إلى حياته اليومية
وخلاصة القول إن هذه الدراسة التشخيصية أظهرت أن نجاح السياحة التعليمية في المناطق الطبيعية المحمية رهين بتكامل التجهيز التفسيري وإمكانية الوصول والمواد الإعلامية المؤسسة على محتوى المشهد، وأن هذا التكامل ما زال نادرًا في حالة ثيوداد ريال رغم ثرائها الطبيعي، وهو ما يستدعي تخطيطًا أشمل يضع المشهد في قلب التجربة التعليمية للزوار








