تعد الكفاءة الذاتية الجماعية للمعلمين من العوامل المؤثرة في أداء المدارس ونتائج طلابها، إذ تعكس إيمان فريق المعلمين المشترك بقدرته الجماعية على إحداث التعلم المنشود لدى طلابه، وتلعب قيادة مدير المدرسة دورًا مركزيًا في تغذية هذا الإيمان أو إضعافه عبر ما يمارسه من سلوكيات يومية في التفاعل مع معلميه ودعمهم وتمكينهم، ومن هنا هدفت هذه الدراسة النوعية بمنهج دراسة الحالة إلى استكشاف تصورات المعلمين حول أثر سلوكيات قيادة المدير في تعزيز الكفاءة الذاتية الجماعية للمعلمين، وتحديد السلوكيات القيادية التي يرى المعلمون أنها الأكثر إسهامًا في رفع ثقتهم الجماعية بقدراتهم المهنية
ولا ينفصل هذا الإيمان الجماعي عن مناخ المدرسة كلها، فحين تسود بين المعلمين قناعة مشتركة بأنهم قادرون معًا على الوصول إلى أصعب الطلاب، يصبح التعاون بينهم عادة يومية ويغدو طلب المساعدة المهنية دليل قوة لا ضعف، وتنعكس هذه الروح على تصميم الدروس وتقويم التعلم واستقبال المستجدات التربوية، ولهذا كان البحث عن الجذور القيادية لهذه القناعة سؤالًا يستحق الفحص الميداني المتأني الذي تنهض به هذه الدراسة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
سعت الدراسة إلى فهم كيفية إسهام سلوكيات قيادة مدير المدرسة في تعزيز الكفاءة الذاتية الجماعية للمعلمين من وجهة نظر المعلمين أنفسهم، واعتمدت الدراسة منهج دراسة الحالة النوعية، وجمعت البيانات عبر مجموعات تركيز ومقابلات فردية معمقة مع المعلمين، ثم خضعت البيانات المجمعة للتحليل للكشف عن السلوكيات القيادية المتكررة التي ربطها المعلمون بتعزز كفاءتهم الجماعية، وقد أتاح هذا المنهج الغوص في تجارب المعلمين الحية وتصوراتهم الدقيقة لما يفعله المدير في مواقف العمل اليومية وكيف ينعكس ذلك على شعور الفريق بقدرته على النجاح
ثانيًا: أبرز النتائج
برزت من تحليل البيانات أربعة سلوكيات قيادية تدعم تعزيز الكفاءة الذاتية الجماعية للمعلمين، ويمكن إجمالها في النقاط الآتية: 1- بناء العلاقات، إذ يحرص المدير على علاقات إنسانية ومهنية قوية مع معلميه تقوم على القرب والمعرفة المتبادلة؛ 2- الثقة، إذ يظهر المدير ثقته بكفاءة معلميه ويمنحهم مساحات للتصرف المهني الواثق؛ 3- التعاون، إذ يهيئ المدير فرص العمل الجماعي وتبادل الخبرات بين المعلمين بما يعزز الشعور بالإنجاز المشترك؛ 4- التمكين، إذ يشرك المدير المعلمين في القرار ويمنحهم أدوارًا قيادية ترفع إحساسهم بالقدرة والتأثير، وتتكامل هذه السلوكيات الأربعة لتشكل بيئة قيادية داعمة لنمو الكفاءة الجماعية
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تشير النتائج إلى أن على قادة المدارس والمقاطعات التعليمية التركيز على هذه السلوكيات القيادية الأربعة إذا أرادوا تعزيز الكفاءة الذاتية الجماعية لمعلميهم، إذ إن بناء العلاقات وغرس الثقة وتشجيع التعاون وتمكين المعلمين ممارسات قيادية قابلة للتعلم والتدريب، ويمكن أن توجه هذه النتائج برامج تأهيل مديري المدارس وتطويرهم المهني نحو مهارات قيادية إنسانية وتمكينية، كما تنبه المشرفين إلى أن تقويم القيادة المدرسية ينبغي أن يلتفت إلى هذه الأبعاد السلوكية بوصفها مداخل عملية لرفع معنويات فرق المعلمين وأدائها
ومن زاوية منهجية، تكتسب الدراسة قيمتها من انطلاقها من صوت المعلمين أنفسهم لا من انطباعات المديرين عن ذواتهم، فالقيادة في نهاية المطاف ممارسة تقاس بما تتركه في نفوس من يعملون تحت سقفها، فإذا قال المعلمون إن مديرهم يبني العلاقات ويمنح الثقة ويشجع التعاون ويمكنهم من القرار، فهذا الحكم الميداني أقرب إلى تشخيص واقع القيادة منه إلى أي توصيف رسمي يرد في الوثائق والأدلة الإجرائية
وتفتح هذه النتائج الباب أمام دراسات أوسع تفحص انتشار هذه السلوكيات القيادية في سياقات مدرسية متباينة، وتربطها بمؤشرات أداء موضوعية كاستقرار المعلمين في مدارسهم ورضاهم المهني وتحصيل طلابهم، بما يحول هذه الرؤى النوعية الغنية إلى أدلة أوسع قابلية للتعميم والتخطيط المؤسسي المنظم في الأنظمة التعليمية المختلفة
وخلاصة القول إن الكفاءة الذاتية الجماعية للمعلمين تنمو في مدارس يقودها مديرون يبنون العلاقات ويثقون بمعلميهم ويعززون تعاونهم ويمكنونهم من التأثير، وإن الاستثمار في هذه السلوكيات القيادية استثمار مباشر في جودة التعليم الذي يتلقاه الطلاب
