أتاحت الصور الرمزية الراقصة الافتراضية وأدلة التعلم الافتراضية إمكان تدريس الرقص بصيغة ملعبة داخل الجامعة المعاصرة عبر البيئات الرقمية، وذلك في سياق استثنائي فرضته جائحة كورونا التي أصابت أعدادًا كبيرة من الطلاب بدرجات متفاوتة وتركت آثارها في حياتهم الجامعية والنفسية، فإذا كان النشاط الحركي الجماعي وسيلة معروفة لدعم الصحة النفسية والمهارات الاجتماعية، فإن نقله إلى بيئات افتراضية تعاونية يثير أسئلة بحثية حول ما يمكن أن يحققه من نمو في المهارات الرقمية والوجدانية والاجتماعية لدى طلاب عانوا الإصابة بالفيروس وتبعاتها
وتستمد هذه التجربة أهميتها من تقاطع مسارين بحثيين متناميين، أولهما التلعيب في التعليم الذي يوظف عناصر اللعب والمنافسة والتحدي في تحفيز المتعلمين وإشراكهم، وثانيهما الأنشطة الحركية والفنية بوصفها موارد للصحة النفسية والتواصل الاجتماعي في الجامعات، وقد فرضت القيود الصحية في سنوات الجائحة إعادة ابتكار هذين المسارين رقميًا على عجل، فنشأت تجارب هجينة لم تختبر آثارها بدقة، ولا سيما لدى فئات هشة كالطلاب الذين عانوا إصابات شديدة أو متوسطة بالفيروس وما رافقها من عزلة وقلق وانقطاع عن الحياة الجامعية المعتادة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت هذه التجربة إلى اختبار أربع فرضيات حول الرقص الملعب المطور في بيئات تعاونية عبر منصة زوم وآثاره في المهارات الرقمية والاجتماعية الوجدانية لدى أفراد أصيبوا إصابة شديدة أو متوسطة بفيروس كورونا بين عامي 2020 و2022، وشارك في التجربة 119 طالبًا وثمانية معلمين من كلية التربية الابتدائية بجامعة خاصة في مدينة ليما في بيرو، وطُبق تصميم تجريبي بقياس قبلي وبعدي، واستُخدمت مقاييس من نوع ليكرت لجمع البيانات، وامتدت تجربة الرقصات الملعبة أربعة أسابيع في إطار مسابقة رقص جامعية، وقارنت الدراسة بين مجموعة تجريبية مارست الرقص افتراضيًا ومجموعة ضابطة مارسته وجهًا لوجه
ثانيًا: أبرز النتائج
أتاحت النتائج تأكيد ما يأتي، 1- طورت الرقصات الملعبة المهارات الرقمية لدى الطلاب عبر تعاملهم المكثف مع البيئات والأدوات الافتراضية التعاونية، 2- نمت الرقصات الملعبة كذلك المهارات الوجدانية والمهارات الاجتماعية الوجدانية لدى المشاركين، بما يعكس قيمة النشاط الحركي الجماعي حتى في صورته الرقمية، 3- اختلفت هذه المهارات بين المجموعة التجريبية والمجموعة الضابطة في معظم أبعادها، 4- استثنت النتائج مهارات الأمان الرقمي والقدرة على تحسين تقدير الذات من هذا الاختلاف بين المجموعتين، فهما مهارتان تتطلبان ممارسة جسدية أكبر كالتي تحققت لدى المجموعة التجريبية في الرقص الافتراضي وطورتها أيضًا لدى طلاب المجموعة الضابطة في الرقص الوجاهي
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تحمل هذه النتائج دلالات تربوية جديرة بالانتباه للجامعات ومصممي الأنشطة الطلابية، فهي تبين أن الأنشطة الحركية الملعبة قادرة على عبور الحواجز الرقمية لتؤدي وظائفها النمائية والاجتماعية حتى مع طلاب مروا بتجربة مرضية صعبة، وأن البيئات الافتراضية التعاونية ليست بديلًا فقيرًا بالضرورة عن الحضور الجسدي في كل الأبعاد، وإن ظلت الممارسة الجسدية المباشرة متفوقة في أبعاد بعينها كالأمان الرقمي وتقدير الذات، كما تشجع النتائج على توظيف التلعيب والمسابقات الجماعية في برامج دعم الطلاب المتعافين من الأزمات الصحية، بما يعيد دمجهم اجتماعيًا ووجدانيًا في الحياة الجامعية بصورة ممتعة وغير وصمية
وتشير التجربة في مجملها إلى أن الجامعات قادرة، حين تحسن التصميم، على تحويل الأزمات الصحية إلى فرص لابتكار أنشطة طلابية أكثر مرونة وشمولًا، تجمع بين الحضور الجسدي والافتراضي وتراعي الفروق في الظروف الصحية والنفسية للطلاب، وهو درس يتجاوز الرقص إلى مجمل الحياة الجامعية وأنشطتها الثقافية والرياضية والاجتماعية التي ينبغي ألا تعود بعد الأزمة كما كانت قبلها
وخلاصة القول إن الرقصات الملعبة في البيئات الافتراضية التعاونية أثبتت قدرتها على تنمية المهارات الرقمية والوجدانية والاجتماعية الوجدانية لدى طلاب الجامعات الناجين من فيروس كورونا، وإن تعادلت المجموعتان التجريبية والضابطة في مهارتي الأمان الرقمي وتقدير الذات المرتبطتين بالممارسة الجسدية، وهو ما يفتح بابًا واسعًا أمام أنشطة جامعية هجينة تجمع أفضل ما في العالمين
