أصبحت التوصيات الشخصية التي توظف التقنيات الرقمية للتنبؤ باهتمامات المستخدمين وتفضيلاتهم وتقديم إرشادات لهم أداة تسويقية واسعة الانتشار في منصات التجارة الإلكترونية، غير أن أدبيات سلوك المستهلك لم تحسم بعد طبيعة العلاقة بين العمر وتبني المنتجات المبتكرة، إذ تسود صورة نمطية مفادها أن المستهلك الأكبر سنًا أقل إقبالًا على الجديد وأكثر تمسكًا بالمألوف، ومن هنا يثور سؤال عملي مهم، هل تستطيع حداثة التوصيات المعروضة أن تحفز المستهلكين الأكبر سنًا على قبول المنتجات المبتكرة، أم أنها قد تأتي بنتائج عكسية لدى هذه الشريحة المهمة من المتسوقين
وتستند أهمية دراسة هذه الشريحة إلى تحولات ديمغرافية واقتصادية متسارعة، إذ يتزايد وزن المستهلكين الأكبر سنًا في أسواق التجارة الإلكترونية مع انتشار الهواتف الذكية وتحسن وصول كبار السن إلى الإنترنت، وتتنافس المنصات على كسب ولائهم بوصفهم شريحة ذات قدرة شرائية ووفاء مرتفعين للعلامات التي يثقون بها، غير أن كثيرًا من تصميمات التوصية والتسويق الرقمي ما تزال أسيرة افتراضات شبابية، فتخاطب كبار السن إما بتجاهل أو بوصاية تُشعرهم بالاستبعاد، ومن هنا تنشأ الحاجة إلى أدلة تجريبية دقيقة حول كيفية استقبالهم للجديد وكيف يتشكل هذا الاستقبال عبر أعمارهم المعرفية لا الزمنية فحسب
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت هذه الدراسة التجريبية، في ضوء أدبيات الشيخوخة والتأثير الاجتماعي، إلى فحص الدور المعدِّل للعمر المعرفي للفرد في أثر حداثة التوصيات في تصورات المستهلكين بشأن تهديد الصورة النمطية وقابليتهم للابتكار، وأجرت الدراسة تجربة شارك فيها 239 متسوقًا عبر الإنترنت، تعرضوا لمستويين من حداثة التوصيات صُمما خصيصًا للدراسة، أحدهما منخفض والآخر مرتفع، وقارنت الدراسة تجارب البالغين الأصغر سنًا معرفيًا والأكبر سنًا معرفيًا، إذ لا يتطابق العمر المعرفي الذي يشعر به الفرد دائمًا مع عمره الزمني، وقاست التجربة شعور المشاركين بتهديد الصورة النمطية التي قد توحي بأن المنتجات المبتكرة ليست مصممة لأمثالهم، ودرجة قابليتهم لتبني الابتكار
ثانيًا: أبرز النتائج
كشفت النتائج عن مفارقة دقيقة في تجربة المستهلكين الأكبر سنًا مع التوصيات فائقة الحداثة يمكن إجمالها فيما يأتي، 1- يدرك المستهلكون الأكبر سنًا التوصيات عالية الحداثة بوصفها أكثر تهديدًا لصورتهم النمطية، إذ قد توحي لهم بأنهم مستبعدون من جمهور المنتجات الجديدة أو موصومون بضعف الكفاءة التقنية، 2- يظهر هؤلاء المستهلكون أنفسهم في المقابل مستوى أعلى من القابلية للابتكار عند تعرضهم لهذه التوصيات، بما يعني انفتاحًا فعليًا على تجربة المنتجات المبتكرة، 3- تناقض هذه النتيجة الاعتقاد الشائع بأن المستهلك كلما تقدم في السن قلت قابليته للابتكار، وتقدم بذلك إضافة جديدة إلى أدبيات نظم المعلومات وسلوك المستهلك الرقمي
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تقدم الدراسة نظريًا بيانًا لكيفية تأثير رفع مستوى حداثة التوصيات في تهديد الصورة النمطية والقابلية للابتكار لدى مستهلكين مختلفي الأعمار المعرفية، أما عمليًا فتزود الممارسين بإرشادات مهمة حول نوع التوصيات الشخصية المناسبة لكل شريحة، فلا ينبغي أن تُعامل شريحة كبار السن بوصفها كتلة متجانسة رافضة للجديد، كما لا ينبغي إغراقها بتوصيات مبتكرة دون مراعاة لما قد تثيره من شعور بالتهديد النمطي، بل يستدعي التصميم الرشيد موازنة بين جرعة الحداثة وطريقة تقديمها والخطاب المرافق لها، بما يحفظ كرامة المستهلك الأكبر سنًا ويستثمر قابليته الحقيقية للابتكار التي أثبتتها التجربة
كما تنبه الدراسة مصممي تجربة المستخدم إلى أن لغة العرض المرئي واللفظي للتوصيات جزء من الرسالة ذاتها، فصياغة تحترم خبرة المستهلك الأكبر سنًا وتخاطب فضوله دون إيحاء بضعفه قد تحول التوصية المبتكرة من مصدر تهديد نمطي إلى دعوة واثقة للتجربة، وهو درس يتجاوز التجارة الإلكترونية إلى كل خدمة رقمية تخاطب جمهورًا متنوع الأعمار
وخلاصة القول إن التقدم في السن لا يعني بالضرورة تجنب المنتجات المبتكرة، فقد أظهرت التجربة أن المستهلكين الأكبر سنًا معرفيًا أكثر قابلية للابتكار مما تفترضه الصورة النمطية، وإن ظلوا أكثر حساسية لتهديد هذه الصورة، وهي معادلة ينبغي أن تستوعبها منصات التجارة الإلكترونية عند تصميم توصياتها الشخصية لمختلف الشرائح العمرية








