تُعد الصلابة النفسية من السمات المرتبطة بالأداء العالي في المهن الشديدة الضغط، إذ تصف قدرة الفرد على الثبات والتركيز ومواصلة الأداء الفعال تحت الضغط والشدة، غير أن دراستها اعتمدت في الغالب على التقييم الذاتي وبتصميمات مقطعية تلتقط الصورة في لحظة واحدة، وفي سياق الإطفاء تحديدًا، وهو عمل يتسم بالمخاطرة واتخاذ القرار تحت ضغط زمني ونفسي شديد، لا توجد أداة مخصصة لقياس الصلابة النفسية لدى رجال الإطفاء، فلجأ الباحثون والممارسون إلى أداتين وُضعتا أصلًا لسياقات أخرى، هما أداة الصلابة النفسية في الرياضة وأداة الصلابة النفسية في التدريب العسكري
ومع أن هاتين الأداتين تستخدمان في هذا السياق، فإن ثباتهما وصدقهما التلازمي حين يطبقان على رجال الإطفاء لم يخضعا لفحص منهجي، وهي فجوة قياسية مهمة، إذ إن بناء قرارات التدريب والاختيار والتقييم على أدوات لم تثبت كفاءتها في المهنة المستهدفة قد يقود إلى استنتاجات مضللة عن جاهزية الأفراد النفسية لأعمال خطرة، ويزداد الأمر أهمية لأن الصلابة النفسية تستخدم مؤشرًا في برامج الدعم والجاهزية الميدانية لدى فئات مهنية تعمل في ظروف قد تكون فيها القرارات المتخذة تحت الضغط مسألة حياة أو موت
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص الصدق التلازمي والثبات بين المقيمين لأداتين لقياس الصلابة النفسية في سياق الإطفاء، واعتمدت تصميمًا طوليًا على موجتين شارك فيه 62 من رجال الإطفاء الذكور، فأكملوا خلال يومين أداة الصلابة النفسية في الرياضة تقييمًا ذاتيًا لأنفسهم، بينما قيّم زملاؤهم وضباطهم صلابتهم النفسية باستخدام أداة الصلابة النفسية في التدريب العسكري، وشملت التحليلات اختبارات الصدق التلازمي بين الأداتين والثبات بين المقيمين والاتساق الداخلي ومعاملات الارتباط بين تقديرات المقيمين المختلفين، ووزعت القياسات على يومين بما يتيح فحص استقرار التقديرات عبر زمن قصير ومقارنة التقييم الذاتي بتقييم الآخرين في كل موجة من موجتي الدراسة الطولية
ثانيًا: أبرز النتائج
جاءت النتائج ضعيفة على نحو لافت عبر مؤشرات القياس جميعها، ويمكن إجمال أبرزها فيما يأتي
أولًا: أظهر الثبات بين المقيمين اتفاقًا في حده الأدنى، إذ بلغ معامل كابا 0.04 في اليوم الأول و0.05 في اليوم الثاني، وجاء الاتساق الداخلي منخفضًا بشدة في اليوم الأول بمعاملي ألفا وأوميغا قدرهما 0.03، ثم ارتفع إلى 0.45 في اليوم الثاني، وكانت ارتباطات تقديرات المقيمين ضعيفة، فلم يتجاوز معامل الارتباط داخل الفئة في اليوم الأول 0.001 وبلغ 0.13 في اليوم الثاني، وثانيًا: أظهر الصدق التلازمي ارتباطات محدودة بين درجات التقييم الذاتي في الأداة الرياضية وتقديرات أداة التدريب العسكري في اليومين معًا، إذ بلغ معامل الارتباط سالب 0.09 في اليوم الأول و0.1 في اليوم الثاني، وهي قيم لا تدعم تكافؤ الأداتين في قياس البناء نفسه لدى رجال الإطفاء
وتشير هذه المؤشرات مجتمعة إلى أن نقل أدوات صُممت للرياضيين والعسكريين إلى بيئة الإطفاء لا يضمن قياسًا صالحًا، فربما تختلف مظاهر الصلابة النفسية ومحفزاتها في عمل يتعامل مع حرائق وإنقاذ وطوارئ متغيرة عما هي عليه في الملاعب والثكنات
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تؤكد النتائج الحاجة إلى تطوير أدوات لقياس الصلابة النفسية مخصصة لمهنة الإطفاء، تراعي مطالبها الفريدة ودقائقها التي لا تلتقطها الأدوات المنقولة من سياقات أخرى، وينبه ذلك إدارات الدفاع المدني ومراكز التدريب إلى عدم الاطمئنان إلى القياسات المتاحة حاليًا عند اتخاذ قرارات تتعلق بجاهزية الأفراد، ويدعو الباحثين في علم نفس المهن عالية الخطورة إلى بناء أدوات من واقع المهنة نفسها والتحقق من صدقها وثباتها قبل اعتمادها مرجعًا للتقييم والتدخل، وينبغي أن يبنى هذا التطوير على استطلاع مظاهر الصلابة النفسية لدى رجال الإطفاء أنفسهم من واقع خبرتهم الميدانية، قبل صياغة فقرات الأداة الجديدة واختبار خصائصها القياسية
وخلاصة القول إن قياس الصلابة النفسية لدى رجال الإطفاء بالأداتين الرياضية والعسكرية أعطى صورة ضعيفة الاتساق والصدق، وهو ما يجعل تطوير أداة خاصة بالإطفاء ضرورة قياسية وميدانية، فلا يُقاس أداء مهنة دقيقة بأدوات مهنة أخرى مهما بدت قريبة منها
