أصبحت أنظمة تداول الانبعاثات من أكثر الأدوات السوقية انتشارًا لخفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، إذ تضع سقفًا لكمية الانبعاثات وتسمح بتداول حصصها بين المنشآت، غير أن الأداء البيئي لهذه الأنظمة يتفاوت تفاوتًا كبيرًا بين الدول والمناطق، وهو ما يوحي بأن آليات تسعير الكربون لا تعمل في فراغ، بل تتأثر بشروط بنيوية ومؤسسية متباينة تختلف من اقتصاد إلى آخر، ومن هنا تنبع أهمية فهم العوامل التي تجعل نظامًا لتداول الانبعاثات أكثر فاعلية من غيره
وتتصل هذه المسألة بقضية أوسع في سياسات المناخ، فكثير من الحكومات تبنت تسعير الكربون أداة رئيسة لتحقيق التزاماتها المناخية، لكن النتائج على الأرض ظلت دون الطموح في بيئات كثيرة، وربما يعود ذلك إلى ضعف المؤسسات أو غياب سياسات مكملة، ولذلك تتجه الأنظار إلى تحليل مقارن يربط أداء الانبعاثات بالخصائص الاقتصادية والاجتماعية والمؤسسية لكل بلد، وهو ما تقدمه هذه الدراسة بمنهج يجمع بين التصنيف والنمذجة التنبؤية
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تحليل العوامل المؤثرة في أداء انبعاثات ثاني أكسيد الكربون في الاقتصادات التي تطبق أنظمة تداول الانبعاثات، واستندت في إطارها النظري إلى نظرية التحديث البيئي والنظرية المؤسسية، وجمعت بين نموذج تجميع من نوع النماذج الأولية وبين الشبكات العصبية الاصطناعية، بما يسمح بتصنيف الأنظمة القائمة أولًا ثم تقدير أثر المتغيرات المختلفة في الانبعاثات ثانيًا
وفي خطوة أولى صُنفت 58 نظامًا لتداول الانبعاثات في 53 دولة ضمن أربعة أنماط بحسب نضجها المؤسسي ونطاقها التنظيمي وخصائصها البنيوية، وفي خطوة ثانية قُدر نموذج للشبكة العصبية الاصطناعية باستخدام بيانات سنوية امتدت من عام 2000 إلى عام 2021، لفحص تأثير متغيرات بيئية واجتماعية سكانية واقتصادية ومتصلة بالتنمية في انبعاثات ثاني أكسيد الكربون للفرد الواحد في تلك الاقتصادات
ثانيًا: أبرز النتائج
توصلت الدراسة إلى نتائج تربط فاعلية أسواق الكربون ببنية الاقتصاد ومؤسساته، ويمكن إجمال أبرزها فيما يأتي
أولًا: لا يعتمد أداء أنظمة تداول الانبعاثات على مستوى التنمية الاقتصادية وحده، بل على عوامل بنيوية ومؤسسية أوسع تتصل بجودة التنظيم والحوكمة وبنية الاقتصاد، وثانيًا: برز استهلاك الطاقة المتجددة وإنتاجها بوصفهما أكثر العوامل تأثيرًا في خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، ولا سيما في الاقتصادات النامية، وثالثًا: ارتبط التحضر والأنشطة الموجهة للتصدير وضعف الحوكمة بضغوط أعلى على الانبعاثات، ورابعًا: أظهر الفساد أثرًا سلبيًا أقوى في الأداء البيئي داخل الاقتصادات الناشئة مقارنة بغيرها، وهو ما يعكس هشاشة الأطر المؤسسية المنظمة لأسواق الكربون فيها
وتبين هذه النتائج مجتمعة أن نجاح تسعير الكربون ليس مسألة تصميم سوقي فحسب، فالسوق نفسها تعمل داخل منظومة مؤسسية واقتصادية أوسع، وأن العوامل البنيوية كخليط الطاقة ودرجة التحضر وجودة المؤسسات قد تعزز أثر النظام أو تفرغه من محتواه، وأن قراءة النتائج في ضوء الأنماط الأربعة التي صُنفت إليها الأنظمة تساعد على التمييز بين ما يعود إلى تصميم السوق ذاته وما يعود إلى البيئة المؤسسية والاقتصادية التي يعمل فيها
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تتمثل الدلالة الرئيسة للدراسة في أنه لا ينبغي النظر إلى أنظمة تداول الانبعاثات أدوات مناخية قائمة بذاتها، بل تعتمد فاعليتها على سياسات مكملة تعزز نشر الطاقة المتجددة وتقوي الجودة المؤسسية وتعالج الضغوط المصاحبة للتجارة والتحضر، ويعين ذلك صانعي السياسات في الاقتصادات النامية والناشئة على تصميم حزم سياسات متكاملة بدل الاكتفاء بإنشاء السوق، كما يفيد الباحثين في توظيف مناهج التعلم الآلي في تحليل سياسات المناخ المقارنة وتصنيف الأنظمة بحسب سياقاتها، وتقدم في المقابل للدول المتقدمة تنبيهًا إلى أن أسواقها الناضجة مؤسسيًا ليست بمنأى عن ضغوط التحضر والتجارة على الانبعاثات
وخلاصة القول إن فاعلية أسواق الكربون تُبنى ولا تُفترض، فهي ثمرة تفاعل بين تصميم النظام وبنية الاقتصاد وقوة مؤسساته، وإن الاستثمار في الطاقة المتجددة وسلامة الحوكمة شرطان مصاحبان لأي نظام لتداول الانبعاثات يراد له أن يخفض الانبعاثات خفضًا حقيقيًا ومستدامًا
المصدر الأصلي: https://www.mdpi.com/2227-7099/14/7/287
DOI: 10.3390/economies14070287
