يواجه طلاب الفنون في المرحلة الثانوية ضغوطًا نفسية خاصة أثناء استعدادهم لاختبارات القبول في كليات الفنون، إذ تتقاطع متطلبات التدريب الفني المكثف مع طموحات المستقبل الدراسي والمهني، وقد زادت جائحة كوفيد-19 من حدة هذه الضغوط بما حملته من غموض بشأن مواعيد الاختبارات وصور إجرائها، فبرزت لدى كثير من الطلاب مشاعر سلبية تتمثل في القلق والتوتر والخوف من المجهول، ومن هنا تأتي أهمية فهم العوامل الفردية والأسرية التي تشكل هذه المشاعر وسبل التخفيف منها
وتتصدر هذه العوامل خاصية عدم تحمّل الغموض بوصفها سمة فردية تجعل الطالب أكثر تأثرًا بالمواقف غير الواضحة وأشد قلقًا إزاء المستقبل، غير أن أثرها في المشاعر السلبية قد لا يكون مباشرًا بالكامل، فقد يمر عبر موارد نفسية إيجابية يمتلكها الطالب مثل رأس المال النفسي، ويتأثر في الوقت نفسه بجودة الأداء الأسري المحيط به، وهذا ما سعت الدراسة إلى اختباره في ضوء النموذج التكاملي لتحمّل الغموض
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص العلاقة بين عدم تحمّل الغموض والمشاعر السلبية لدى طلاب الفنون في المرحلة الثانوية، واختبار الدور الوسيط لرأس المال النفسي في هذه العلاقة، والدور المعدِّل للأداء الأسري في العلاقة بين رأس المال النفسي والمشاعر السلبية، وطُبقت الدراسة على عينة متيسرة بلغت 919 طالبًا وطالبة من طلاب الفنون في المدارس الثانوية الصينية، بمتوسط عمر بلغ 18.50 عامًا ومدى عمري تراوح بين 16 و22 عامًا، وقد جُمعت البيانات خلال الفترة من نوفمبر 2022 إلى ديسمبر 2022، واستخدمت الدراسة مقياس عدم تحمّل الغموض واستبانة رأس المال النفسي ومقياس الاكتئاب والقلق والضغوط ومقياس التكيف والتماسك الأسري، وحُللت البيانات باستخدام معاملات ارتباط بيرسون وتحليل الوساطة المعدَّلة
ثانيًا: أبرز النتائج
أسفرت نتائج التحليلات الإحصائية عن مجموعة من النتائج المترابطة التي توضح آلية التأثير بين متغيرات الدراسة، ويمكن إجمالها فيما يأتي
1- ارتبط عدم تحمّل الغموض ارتباطًا موجبًا بالمشاعر السلبية، فكلما ارتفع مستوى عدم تحمّل الطالب للغموض زادت مشاعره السلبية المتمثلة في الاكتئاب والقلق والضغوط
2- ارتبط عدم تحمّل الغموض ارتباطًا سالبًا برأس المال النفسي، إذ يقترن ضعف تحمّل المواقف الغامضة بانخفاض ما يمتلكه الطالب من موارد نفسية إيجابية مثل الأمل والكفاءة الذاتية والتفاؤل والمرونة النفسية
3- ارتبط رأس المال النفسي ارتباطًا سالبًا بالمشاعر السلبية، فكلما ارتفع رصيد الطالب من الموارد النفسية الإيجابية انخفضت حدة ما يعانيه من مشاعر سلبية
4- توسط رأس المال النفسي العلاقة بين عدم تحمّل الغموض والمشاعر السلبية، بما يعني أن جزءًا معتبرًا من أثر عدم تحمّل الغموض ينتقل إلى المشاعر السلبية عبر إضعاف رأس المال النفسي للطالب
5- خفف الأداء الأسري من أثر رأس المال النفسي في المشاعر السلبية، إذ يؤدي التكيف والتماسك داخل الأسرة دورًا واقيًا يعزز فاعلية الموارد النفسية في حماية الطالب من المشاعر السلبية
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تبرز دلالات هذه النتائج في أنها توجه أنظار المعلمين والمرشدين النفسيين إلى الطبيعة المركبة للعلاقة بين عدم تحمّل الغموض والمشاعر السلبية، فالتدخلات الفعالة لا تقتصر على التعامل مع الغموض ذاته، بل تمتد إلى بناء رأس المال النفسي للطلاب وتعزيزه وإلى إشراك الأسرة بوصفها شريكًا أصيلًا في الدعم النفسي، ومن ثم يمكن لبرامج الإرشاد النفسي في المدارس أن تستفيد من أنشطة تنمي الأمل والكفاءة الذاتية والمرونة النفسية لدى طلاب الفنون، وأن تتضمن قنوات تواصل منتظمة مع الأسر لرفع جودة أدائها الداعم، بما يخفف من وطأة الاستعداد لاختبارات القبول على الصحة النفسية للطلاب ويعينهم على اجتياز هذه المرحلة بتوازن نفسي أفضل
وخلاصة القول إن الدراسة قدمت نموذجًا تفسيريًا متكاملًا يوضح كيف يؤثر عدم تحمّل الغموض في المشاعر السلبية لدى طلاب الفنون في المرحلة الثانوية، وكيف يتوسط رأس المال النفسي هذا الأثر ويعدّله الأداء الأسري، بما يفتح الباب أمام تدخلات تربوية ونفسية أكثر شمولًا تستهدف الطالب وأسرته معًا








