شهدت السنوات الأخيرة انخفاضًا في معدلات توظيف خريجي تخصصات العلوم والتقنية والهندسة والرياضيات في كوريا الجنوبية، بتأثير عوامل متنوعة اقتصادية واجتماعية ومتصلة بالسياسات، ويقتضي فهم أسباب هذا الانخفاض استكشاف نوايا المثابرة الأكاديمية لدى طلاب هذه التخصصات أثناء دراستهم وعلاقاتها المترابطة بالعوامل ذات الصلة، إذ تمثل المثابرة في التخصص أثناء المرحلة الجامعية مدخلًا لفهم مآلات الخريجين في سوق العمل وقدرتهم على الاستقرار في المسارات المهنية المرتبطة بتخصصاتهم
وتنبع أهمية الدراسة من ضخامة مجتمع طلاب هذه التخصصات وحيوية أدوارهم المستقبلية في الاقتصاد المعرفي، ومن الحاجة إلى دعم تعليمي وسياساتي مخصص يراعي الخلفيات الفردية وخصائص الجامعات بدل المقاربات الموحدة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص شامل للفروق في نوايا المثابرة الأكاديمية والعوامل البيئية والعوامل المتصلة بالإنجاز والدافعية المهنية لدى 2393 طالبًا جامعيًا في تخصصات العلوم والتقنية والهندسة والرياضيات في كوريا، وإلى استقصاء العوامل المؤثرة في نوايا المثابرة الأكاديمية لديهم، وحُللت البيانات بأساليب إحصائية متنوعة شملت تحليل التباين متعدد المتغيرات العاملي، وتحليل الارتباط بيرسون، ونماذج انحدار متعددة بُنيت بإضافة المتغيرات ذات الاهتمام تباعًا، بما يتيح تقدير الإسهام النسبي لكل مجموعة من العوامل في تفسير نية المثابرة لدى الطلاب
ثانيًا: أبرز النتائج
وكشفت النتائج عن جملة من الحقائق، من أبرزها: 1- ظهرت فروق ذات دلالة إحصائية في نوايا المثابرة الأكاديمية والعوامل البيئية والعوامل المتصلة بالإنجاز والدافعية المهنية كما يدركها الطلاب تبعًا لخلفياتهم الفردية وخصائص جامعاتهم، 2- فُسِّرت نوايا المثابرة الأكاديمية بنسبة 53،9 في المئة عبر عشرة متغيرات هي النوع، واتجاه المسار المهني بعد التخرج، والمجال المهني المستهدف، وفترة بدء الإعداد للمسار المهني ضمن العوامل المتصلة بالمهنة، والدعم السياقي والحواجز المهنية ضمن العوامل البيئية، والكفاءة الذاتية الهندسية وتوقعات النتائج والاهتمام بالتخصص ضمن العوامل المتصلة بالإنجاز، إضافة إلى الدافعية المهنية، 3- كانت الدافعية المهنية الأكثر إسهامًا في نوايا المثابرة الأكاديمية، تلتها الكفاءة الذاتية الهندسية ثم الحواجز المهنية
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تؤكد النتائج ضرورة تقديم دعم تعليمي وسياساتي مخصص يراعي الخلفية الفردية للطلاب وخصائص جامعاتهم، لمعالجة التحديات التي يواجهها خريجو هذه التخصصات في بيئة التوظيف المتغيرة معالجة فعالة، كما تمنح الجامعات وصناع السياسات خريطة عملية للعوامل الأكثر تأثيرًا في مثابرة الطلاب، وفي مقدمتها تنمية الدافعية المهنية وتعزيز الكفاءة الذاتية الهندسية وخفض الحواجز المهنية التي تعترض طريقهم
وتعالج الدراسة قضية ذات حساسية متزايدة في سوق العمل الكوري، إذ لا يقتصر انخفاض توظيف خريجي هذه التخصصات على أسباب سوقية خارجية، بل يتصل بتجربة الطلاب أنفسهم أثناء الدراسة ونيتهم في الاستمرار في تخصصاتهم، وهو ما يجعل المرحلة الجامعية نقطة تدخل مبكرة يمكن من خلالها تحسين مآلات الخريجين، وتقدم الدراسة بهذا المعنى جسرًا بين بحوث التعليم العالي وسياسات التوظيف والتنمية الاقتصادية القائمة على العلوم والتقنية
وعلى مستوى الممارسة الجامعية، تتيح النتائج لإدارات الجامعات ومراكز الإرشاد المهني بناء برامج دعم متدرجة تبدأ من اكتشاف اهتمام الطالب بتخصصه وتوقعاته من نتائجه، وتمر بتعزيز كفاءته الذاتية الهندسية عبر خبرات تطبيقية ناجحة، وتصل إلى إزالة الحواجز المهنية التي ترصدها الدراسة في البيئة المحيطة، مع تكييف هذه البرامج بحسب النوع وخصائص الجامعة وفترة بدء الطالب إعداده لمساره المهني حتى لا تبقى التوصيات عامة بلا أثر
ومن زاوية سياسات التعليم العالي، تقدم الدراسة أساسًا لربط برامج الإرشاد الجامعي بمراحل دراسة الطالب، فالتدخل الذي يركز على اكتشاف الاهتمام بالتخصص في السنوات الأولى يختلف عن التدخل الذي يعالج الحواجز المهنية قبيل التخرج، كما تدعو النتائج إلى متابعة مؤشرات المثابرة دوريًا بوصفها إنذارًا مبكرًا يستبق تحول تردد الطالب إلى انسحاب كامل من التخصص أو الجامعة
وخلاصة القول إن مثابرة طلاب تخصصات العلوم والتقنية والهندسة والرياضيات في مسارهم الأكاديمي ظاهرة متعددة العوامل تتقدمها الدافعية المهنية والكفاءة الذاتية، وإن دعمًا مخصصًا يراعي تنوع الطلاب وجامعاتهم يمثل المدخل الأجدى لرفع معدلات استقرار هؤلاء الخريجين في مجالاتهم
