يحسن النشاط البدني المنتظم الرفاه النفسي لمن يمارسونه، غير أن طالبات الجامعة يمثلن فئة معرضة للخطر بسبب انخفاض مستوى نشاطهن البدني، وتتعدد العوامل التي تفسر هذه الظاهرة بين ضغوط الدراسة وتغير أنماط الحياة وقلة الوقت والفرص المتاحة، مما يجعل فهم الآليات التي تربط النشاط البدني بالشعور بالحيوية أمرًا مهمًا لتصميم تدخلات جامعية فعالة تستهدف هذه الفئة تحديدًا
تنطلق الدراسة الحالية من نموذج المراحل المتعددة للتغير السلوكي لفحص ما إذا كانت العلاقة بين النشاط البدني والحيوية الذاتية تتوسطها متغيرات معرفية وجدانية مثل الموازنة القرارية المتمثلة في المنافع والحواجز المدركة والاستمتاع المرتبط بالنشاط البدني، وذلك لدى مجموعة من طالبات الجامعة، سعيًا إلى فهم الطريق الذي يتحول به النشاط البدني إلى شعور بالطاقة والحيوية
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص ما إذا كانت العلاقة بين النشاط البدني والحيوية الذاتية تتوسطها الموازنة القرارية والاستمتاع بالنشاط لدى طالبات الجامعة، وذلك استنادًا إلى نموذج المراحل المتعددة للتغير السلوكي، واعتمدت على استبانات ذاتية التعبئة أتيحت لمدة شهر واحد عبر نموذج غوغل، وفحصت العلاقة بين مرحلة التغير والحيوية الذاتية عبر المتغيرين الوسيطين، وهما الموازنة القرارية والاستمتاع بالنشاط البدني
ثانيًا: أبرز النتائج
1، أظهرت النتائج وجود أثر غير مباشر دال إحصائيًا ونسبي بين مرحلة التغير والحيوية الذاتية عبر كلا المتغيرين الوسيطين، بما يعني أن النشاط البدني لا يرفع الحيوية مباشرة فحسب، بل يفعل ذلك عبر تغيير نظرة الطالبة إلى منافع النشاط وحواجزه وعبر ما تجده فيه من متعة
2، حققت الطالبات في مرحلتي الفعل والمحافظة درجات حيوية ذاتية أعلى مقارنة بالطالبات في مرحلة ما قبل التأمل، وذلك نتيجة لأثر التقدم في المراحل في الموازنة القرارية والاستمتاع بالنشاط البدني، بما يؤكد أن الانتظام في النشاط يصاحبه تحول معرفي وجداني ينعكس في الشعور بالطاقة
3، تشير النتائج إلى أن طالبات الجامعة اللواتي أفدن بممارسة منتظمة للنشاط البدني وجدن النشاط أكثر إنعاشًا وتحفيزًا وإثارة، وهي مشاعر وإدراكات إيجابية ترجمت إلى إدراك أكثر طاقة وحيوية لذواتهن، بما يربط بين الجسد النشط والنفس المتقدة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تخلص الدراسة إلى أن برامج النشاط البدني الجامعية الموجهة للطالبات ينبغي أن تتجاوز الدعوة العامة إلى ممارسة الرياضة، وأن تعمل على تعزيز إدراك المنافع وتقليل الحواجز المدركة وتنمية الاستمتاع بالنشاط، إذ تمثل هذه المتغيرات الجسر الذي يعبر منه النشاط البدني إلى الحيوية الذاتية، ويمكن للجامعات تصميم أنشطة ممتعة ومنخفضة الحواجز تساعد الطالبات على الانتقال من مرحلة ما قبل التأمل إلى مرحلتي الفعل والمحافظة
وتبرز أهمية هذه الدراسة في كونها تربط بين إطار نظري راسخ في تغيير السلوك الصحي وبين مخرجات نفسية إيجابية تتجاوز مجرد الوقاية من المرض، فالحيوية الذاتية ليست غياب التعب بل حضور الطاقة والاستعداد للانخراط في الحياة، وهي مورد نفسي يرتبط بالأداء الدراسي والعلاقات الاجتماعية وجودة الحياة عمومًا، وفهم أن الموازنة القرارية والاستمتاع يمثلان قناتي عبور هذا الأثر يمنح مصممي البرامج الجامعية مفاتيح عملية، فبدل مطالبة الطالبات بمزيد من الجهد يمكن العمل على جعل النشاط نفسه أكثر جاذبية وأقل كلفة نفسية وتنظيمية، وهو تحول في التفكير من الإلزام إلى التمكين قد يغير نتائج برامج النشاط البدني على المدى الطويل في الجامعات وخارجها
كما أن التركيز على فئة الطالبات تحديدًا يعالج فجوة موثقة في ممارسة النشاط البدني بين الجنسين خلال سنوات الجامعة، وهي فجوة تميل إلى الاتساع مع التقدم في العمر ما لم تتدخل برامج مقصودة ومصممة بعناية
وخلاصة القول إن الحيوية ليست ثمرة الحركة وحدها بل ثمرة المعنى الذي تمنحه الطالبة لحركتها، فعندما ترى في النشاط منفعة وتجد فيه متعة يتحول الجهد البدني إلى طاقة نفسية، وتلك هي المعادلة التي ينبغي أن تبنى عليها برامج النشاط البدني في الجامعات
