تواجه برامج إعداد المعلمين في كثير من البلدان قيودا اجتماعية وسياسية تحد من المناقشات النقدية حول كيفية تأثير أوجه عدم المساواة البنيوية والمؤسسية في التعليم والتعلم، فيغادر المعلمون الجدد برامج إعدادهم غير مهيئين بما يكفي لتقدير طرائق المعرفة المتنوعة لدى تلاميذهم في مدارس التعليم العام ورعايتها، ومن هنا تبرز الحاجة إلى ابتكارات بيداغوجية تستطيع تنمية الكفايات الثقافية النقدية لدى المعلمين قبل الخدمة حتى داخل السياقات المقيدة، وتكون في الوقت ذاته قادرة على مد جسور العلاقات العالمية بين الثقافات
وفي هذا السياق استكشفت الدراسة كيفية تأثير الحوارات عابرة الثقافات بوساطة الفيديو بين معلمين قبل الخدمة من بلدين مختلفين في تنمية كفايات ثقافية نقدية جوهرية لديهم، وما يصاحب ذلك من تحولات تدريجية في منظوراتهم نحو التعليم والتعلم والتنوع
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
شارك في الدراسة ستون معلما قبل الخدمة من تايوان والولايات المتحدة الأمريكية انخرطوا في حوارات عابرة للثقافات أجريت بوساطة الفيديو، وتبادلوا عبرها النقاش حول تصوراتهم الداخلية عن التعليم والتعلم في بيئات إيكولوجية متنوعة، وقد حللت مناقشات المشاركين من منظور نظري متداخل يجمع بين أطر متكاملة لتفسير نمو الكفاية الثقافية النقدية، وتتبع الباحثون ما طرأ على منظورات المشاركين من تغيرات عبر مسار الحوارات المشتركة
ثانيًا: أبرز النتائج
وأظهر التحليل نموا تدريجيا مترابطا في الكفايات الثقافية النقدية لدى المشاركين، ويمكن إيجاز أبرز النتائج في النقاط الآتية
1، حدث عبر الحوارات تطور تدريجي مترابط في أربعة مكونات، هي الوعي العالمي، وتقرير الذات، والعلائقية التأملية، والتوجهات نحو العدالة الاجتماعية، بما يشير إلى نمو متكامل لا جزئي في الكفاية الثقافية النقدية
2، طرأت تحولات فردية متواضعة في منظورات المشاركين أثناء تنميتهم كفايات ثقافية نقدية ناشئة، إذ لم تكن التغيرات قفزات حادة بل خطوات صغيرة متراكمة عبر التفاعل والحوار
3، أظهرت التجربة أن الحوارات عابرة الثقافات بوساطة الفيديو مسار بيداغوجي ممكن لتنمية كفايات المعلمين الثقافية النقدية وتجسير العلاقات العالمية حتى ضمن سياقات اجتماعية وسياسية مقيدة
4، رافق هذا الوعد قيود منهجية أقر بها الباحثون، أبرزها صغر حجم العينة وقصر مدة التجربة الممتدة لفصل دراسي واحد، بما يستدعي الحذر في تعميم النتائج
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
وتفيد هذه النتائج مصممي برامج إعداد المعلمين، إذ تقترح توظيف شراكات حوارية دولية افتراضية منخفضة الكلفة لتعريض المعلمين قبل الخدمة لمنظورات ثقافية بديلة حول التعليم والتعلم، وتدريبهم على التأمل في افتراضاتهم الداخلية حول التنوع والعدالة، كما تفيد الباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا في التربية المقارنة وإعداد المعلم، إذ تعرض نموذجا لابتكار بيداغوجي عابر للحدود يمكن تكييفه في شراكات بين جامعات عربية وأجنبية لتنمية كفايات المعلمين الثقافية في سياقات محلية قد تواجه قيودا مشابهة على النقاش النقدي
وتندرج هذه الدراسة ضمن تحول أوسع في إعداد المعلمين نحو التعلم العالمي المتصل، إذ تتيح التقنيات الرقمية اليوم شراكات صفية عابرة للحدود لم تكن ممكنة من قبل، فيتحاور طلاب من ثقافات متباينة حول قضايا تعليمية مشتركة ويختبر كل منهم افتراضاته الثقافية في مرآة الآخر، وتكتسب هذه الخبرات أهمية خاصة في عالم تتنوع فيه فصول التعليم العام ثقافيا ولغويا بصورة متسارعة، ويحتاج فيه المعلم إلى كفايات تتجاوز إتقان المحتوى وطرائق التدريس إلى فهم العدالة والاختلاف وإدارة التنوع داخل الصف، وتقدم الحوارات عابرة الثقافات مسارا عمليا لبناء هذه الكفايات بخبرة مباشرة لا بمحاضرات وصفية، كما تفتح التجربة بابا لتصورات جديدة حول تدويل المناهج في كليات التربية من دون الحاجة إلى تنقل فعلي مكلف
وخلاصة القول إن الحوارات عابرة الثقافات عبر الفيديو أظهرت قدرة واعدة على إحداث نمو تدريجي مترابط في الكفايات الثقافية النقدية لدى المعلمين قبل الخدمة، رغم محدودية العينة والمدة، بما يجعلها مسارا يستحق مزيدا من الاستكشاف والتجريب في برامج إعداد المعلمين








