يثير انتشار الهواتف الذكية بين الأطفال قلقا تربويا وصحيا متزايدا، خاصة حين يتحول استخدامها إلى نمط إشكالي يصعب ضبطه ويزاحم النوم والدراسة والأنشطة اليومية، وقد ربطت دراسات سابقة هذا الاستخدام بتراجع التحصيل الدراسي، غير أن الآليات التي يعمل بها هذا الارتباط ما تزال في حاجة إلى توضيح، إذ قد يمر الأثر عبر قنوات وسيطة كتدهور جودة النوم وضعف الانخراط السلوكي في تعلم المواد الدراسية، وهو ما يجعل فهم هذه الوساطات خطوة ضرورية لتصميم تدخلات وقائية دقيقة لا تكتفي بمطالبة الأطفال بتقليل الاستخدام
وهدفت هذه الدراسة إلى فحص الآثار الوسيطة لجودة النوم والانخراط السلوكي في الرياضيات في العلاقة بين الاستخدام الإشكالي للهواتف الذكية وتحصيل الرياضيات، مع ضبط أثر النوع والحالة الاجتماعية والاقتصادية للأسرة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
اعتمدت الدراسة على عينة كبيرة قوامها ألف وستمائة وخمسة وأربعون تلميذا في الصف الرابع الابتدائي في جنوب الصين، وقد أدى التلاميذ اختبارا في الرياضيات وأجابوا عن استبيان إلكتروني يقيس الاستخدام الإشكالي للهواتف الذكية وجودة النوم والانخراط السلوكي في الرياضيات، ثم عولجت البيانات بالتحليل العاملي التوكيدي والإحصاء الوصفي ومعاملات ارتباط بيرسون ونمذجة المعادلات البنائية لاختبار نموذج الوساطة المتعددة المقترح
ثانيًا: أبرز النتائج
وأسفرت التحليلات عن نتائج مترابطة توضح طبيعة العلاقة وآلياتها، ويمكن إيجاز أبرزها في النقاط الآتية
1، أظهر البنون مستويات أعلى من الاستخدام الإشكالي للهواتف الذكية مقارنة بالبنات، وكان التلاميذ من الخلفيات الاجتماعية والاقتصادية الأدنى أكثر عرضة لهذا النمط من الاستخدام
2، ارتبط الاستخدام الإشكالي للهواتف الذكية ارتباطا سالبا بتحصيل الرياضيات، فكلما ارتفع مستوى الاستخدام الإشكالي انخفض أداء التلاميذ في اختبار الرياضيات
3، كان الانخراط السلوكي في الرياضيات وسيطا دالا في العلاقة بين الاستخدام الإشكالي للهواتف الذكية وتحصيل الرياضيات، إذ يقلل الاستخدام الإشكالي من انخراط التلميذ في أنشطة التعلم فينعكس ذلك على تحصيله
4، مارست جودة النوم والانخراط السلوكي في الرياضيات معا وساطة متسلسلة دالة في العلاقة بين الاستخدام الإشكالي للهواتف الذكية وأداء الرياضيات، بما يرشح مسارا يبدأ باضطراب النوم ويمتد إلى ضعف الانخراط ثم تراجع التحصيل
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
وتحمل هذه النتائج دلالات عملية للمعلمين والأسر وصناع السياسات التعليمية، إذ تشير إلى أن معالجة آثار الهواتف الذكية على التحصيل لا تقتصر على تقييد الاستخدام، بل تشمل حماية نوم الأطفال وتنظيم مواعيده وتعزيز انخراطهم السلوكي في دروس الرياضيات مشاركة ومتابعة ومثابرة، مع عناية خاصة بالبنين وبأبناء الأسر محدودة الموارد، كما تفيد الباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا في علم النفس التربوي، إذ تقدم نموذجا تطبيقيا لاختبار الوساطة المتسلسلة بنمذجة المعادلات البنائية على بيانات واسعة النطاق في بيئة مدرسية واقعية
ويتصل موضوع الدراسة بنقاش تربوي وصحي واسع حول زمن الشاشة في الطفولة، إذ تتقاطع فيه مخاوف الأسر بشأن النوم والانتباه والتحصيل مع واقع صار فيه الهاتف الذكي أداة تواصل وترفيه وتعلم في آن واحد، وتقدم الدراسة الحالية زاوية تحليلية أعمق من مجرد رصد الارتباط، فهي تختبر مسارات تفسيرية محددة يمكن التدخل فيها عمليا، فالنوم قابل للتنظيم بجداول وعادات أسرية، والانخراط السلوكي قابل للتنمية بأساليب تدريس ومشاركة صفية مدروسة، وعلى هذا النحو تتحول النتائج من وصف لمشكلة إلى خريطة لمواضع التدخل الممكنة داخل البيت والمدرسة معا، وتصلح أساسا لبرامج توعية موجهة للأسر والمعلمين على حد سواء، كما تلفت النتائج الانتباه إلى الفروق الفردية والسياقية التي ينبغي مراعاتها عند تصميم أي تدخل، فما يناسب فئة من التلاميذ قد لا يناسب غيرها بالدرجة ذاتها
وخلاصة القول إن الاستخدام الإشكالي للهواتف الذكية يرتبط بتراجع تحصيل الرياضيات لدى تلاميذ المرحلة الابتدائية عبر مسارين وسيطين مترابطين، هما تدهور جودة النوم وضعف الانخراط السلوكي في التعلم، ومن ثم فإن التدخلات الفعالة ينبغي أن تعالج هذه الحلقات الوسيطة معا لا أن تركز على الاستخدام وحده








