يمثل بناء الهوية المهنية لدى طلاب التعليم المهني ركيزة أساسية لنجاح انتقالهم من مقاعد الدراسة إلى سوق العمل، إذ يتشكل لديهم عبر سنوات التكوين إحساس متدرج بانتمائهم إلى مهنة بعينها والتزامهم بمسارها، غير أن قياس هذه الهوية بأدوات موثوقة ما يزال محدودا في بيئات التعليم المهني، ومن هنا تنبع الحاجة إلى أدوات مقننة تقيس مكونات الهوية المهنية قياسا دقيقا، وفي مقدمتها الاستكشاف المهني الذي يفحص فيه الطالب الخيارات ويتعرف إلى المهن المختلفة، والالتزام المهني الذي يعكس استقرار الاختيار والتمسك به عبر الزمن
وسعت هذه الدراسة إلى تطوير استبيان للهوية المهنية موجه لطلاب المدارس المهنية ممن تتراوح أعمارهم بين خمسة عشر وتسعة عشر عاما، والتحقق من خصائصه السيكومترية من حيث البنية العاملية والثبات والصدق، بالاستناد إلى نظريات تطور الهوية وأدبيات الإرشاد والتوجيه المهني
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
أجريت الدراسة على مرحلتين متكاملتين، ففي الدراسة الأولى شارك مائة وثمانية وثمانون طالبا، واستخدم تحليل المكونات الأساسية لتحديد البنية النهائية للاستبيان انطلاقا من مجموعة أولية قوامها عشرون بندا، وفي الدراسة الثانية شارك مائتان وثلاثة وتسعون طالبا، وفحص فيها الصدق التقاربي والبنائي باستخدام تحليلات الارتباط والارتباط القانوني وتحليل التباين والتحليل العاملي التوكيدي، كما قيست علاقات الهوية المهنية بمتغيرات مدرسية ونفسية تشمل الرضا المدرسي والرفاه الذاتي والنجاح المدرسي والصحة النفسية
ثانيًا: أبرز النتائج
وأسفرت التحليلات عن أدلة متسقة على جودة الاستبيان المطور وخصائصه السيكومترية، ويمكن إيجاز أبرز النتائج في النقاط الآتية
1، استبقي من المجموعة الأولية أربعة عشر بندا توزعت على مقياسين فرعيين، ثمانية بنود للاستكشاف المهني وستة بنود للالتزام المهني، وارتبط المقياسان ببعضهما ارتباطا موجبا بلغت قيمته 0.48 عند مستوى دلالة أدنى من 0.01، وسجل معاملا ألفا كرونباخ للثبات 0.78 للاستكشاف و0.88 للالتزام
2، دعم التحليل العاملي التوكيدي في الدراسة الثانية بنية ثلاثية العوامل تتكون من الاستكشاف داخل التخصص التعليمي، والاستكشاف خارج التخصص التعليمي، والالتزام المهني
3، ارتبط الاستكشاف المهني بالرضا المدرسي بقيمة 0.31 وبالرفاه الذاتي بقيمة 0.26 وبالنجاح المدرسي بقيمة 0.14، بينما أظهر الالتزام المهني ارتباطات أقوى بالمتغيرات نفسها بلغت 0.56 و0.27 و0.15 على الترتيب، وكانت جميعها دالة عند مستوى دلالة أدنى من 0.01
4، أشار تحليل الارتباط القانوني إلى علاقات دالة بين أبعاد الهوية المهنية والصحة النفسية، وكانت الأوزان الأقوى للالتزام المهني بقيمة سالب 0.96 وللاستكشاف المهني بقيمة سالب 0.60، وفسرت أبعاد الهوية أربعة عشر في المئة من تباين الصحة النفسية، بينما فسرت الصحة النفسية ثلاثة وعشرين في المئة من تباين الهوية المهنية
5، أبلغ الطلاب ذوو القيم دون المتوسطة في الالتزام والاستكشاف المهنيين عن مستويات أدنى من النجاح المدرسي والرضا المدرسي والرفاه الذاتي مقارنة بأقرانهم الأعلى هوية مهنية
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
وتفيد هذه النتائج ممارسي الإرشاد المهني في المدارس المهنية، إذ يتيح الاستبيان تشخيص مستوى الاستكشاف والالتزام لدى الطلاب وتحديد من يحتاجون إلى دعم إرشادي مبكر قبل تخرجهم وانتقالهم إلى سوق العمل، كما يمكن توظيفه في تقويم أثر برامج التوجيه المهني وأنشطة التعرف إلى المهن، ويفيد الباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا في القياس النفسي والإرشاد، إذ يعرض خطوات متكاملة لبناء أداة قياس والتحقق منها عبر دراستين متتابعتين تجمعان بين التحليل الاستكشافي والتوكيدي ودراسة العلاقات بمتغيرات خارجية ذات معنى تربوي ونفسي
وتأتي هذه الدراسة في سياق اهتمام دولي متزايد بالتعليم والتدريب المهني بوصفه مسارا موازيا للتعليم الأكاديمي لا بديلا أدنى منه، إذ تسعى نظم تعليمية كثيرة إلى رفع جاذبية هذا المسار وتحسين مخرجاته، ويرتبط نجاح هذه الجهود بقدرة الطالب على بناء هوية مهنية متماسكة تجعله يرى في تخصصه المهني مشروعا مهنيا وشخصيا يستحق الاستثمار والاستمرار، وهو ما يجعل قياس الهوية المهنية لدى هؤلاء الطلاب أداة تشخيصية وتخطيطية في آن واحد
وخلاصة القول إن الدراسة قدمت استبيانا للهوية المهنية لدى طلاب المدارس المهنية يتمتع بأدلة جيدة على الثبات والصدق البنائي والتقاربي، وأن الالتزام المهني ظهر بوصفه المكون الأكثر ارتباطا بالتكيف المدرسي والرفاه، بما يدعم استخدام الأداة في البحث والممارسة الإرشادية داخل البيئات التعليمية المهنية








