فرضت التقنية الرقمية حضورها على تفاصيل الحياة اليومية للأسر، حتى صار استخدام الأطفال الصغار للأجهزة والشاشات قضية تربوية تشغل الآباء والمعلمين وصناع السياسات، غير أن هذه القضية لا تقتصر على جيل الآباء وحدهم، بل تمتد إلى جيل الأجداد الذين يشاركون بصورة متزايدة في رعاية الأحفاد وتربيتهم، فتتشكل لديهم اتجاهات متفاوتة نحو استخدام الصغار للتقنية تتراوح بين التأييد والقلق والتقييد، وتكون هذه الفروق في الاتجاهات بين الأجيال ما يمكن وصفه بالفجوة الرقمية الجيلية التي تحتاج إلى فهم دقيق لأنماطها والعوامل المنبئة بها
ومن هنا هدفت هذه الدراسة إلى كشف أنماط اتجاهات الأجداد نحو استخدام أحفادهم الصغار للتقنية، وتحديد أبرز العوامل المنبئة بانتماء الجد أو الجدة إلى نمط اتجاهي دون آخر، بما يساعد على تصميم تدخلات تثقيفية أسرية تعزز التوجيه الواعي للمشاركة الرقمية للأطفال الصغار
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
اعتمدت الدراسة على عينة قوامها سبعمائة واثنا عشر جدا وجدة في مدينة شنغهاي بالصين، وقد قيست اتجاهاتهم نحو استخدام الأحفاد للتقنية إلى جانب خصائصهم الديموغرافية وأنماط تواصلهم مع الآباء، ثم حللت البيانات باستخدام تحليل الأنماط الكامنة لاستخراج مجموعات متجانسة من الأجداد بحسب اتجاهاتهم، وأعقب ذلك استخدام الانحدار اللوجستي متعدد الحدود لفحص العوامل المنبئة بعضوية كل نمط من الأنماط المستخرجة، بما في ذلك عمر الجد وحالة الأخوة وتكرار التواصل بين الأجداد والآباء
ثانيًا: أبرز النتائج
وأسفر التحليل عن نتائج تصور تنوع اتجاهات الأجداد والعوامل المؤثرة في تشكلها، ويمكن إيجاز أبرزها في النقاط الآتية
1، تميزت أربعة أنماط اتجاهية متمايزة بين الأجداد، هي النمط المؤيد إيجابيا لاستخدام الأحفاد للتقنية، والنمط المراقب بحذر، والنمط المتحفظ قليل الانخراط، والنمط شديد القلق والمقيد لهذا الاستخدام
2، أظهرت النتائج أن عمر الجد أو الجدة كان منبئا دالا بعضوية النمط الاتجاهي، بما يشير إلى أن التقدم في العمر يرتبط باختلاف النظرة إلى استخدام الأطفال للتقنية
3، تبين أن حالة الأخوة ضمن شبكة الأسرة الممتدة كانت عاملا منبئا دالا بأنماط الاتجاهات لدى الأجداد، وهو ما يعكس أثر البنية الأسرية في تشكيل المواقف التربوية
4، برز تكرار التواصل بين الأجداد والآباء بوصفه منبئا دالا بعضوية الأنماط الاتجاهية، بما يعكس أثر التنسيق الأسري وتبادل الرؤى بين الجيلين في تشكيل موقف الأجداد من استخدام الأطفال للتقنية
5، عكست الاتجاهات عموما مزيجا من القبول والقلق في آن واحد، إذ يقدر كثير من الأجداد فوائد التقنية بينما يتحفظون على آثارها المحتملة في صحة الأحفاد ونموهم وانضباطهم اليومي
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
وتحمل هذه النتائج دلالات مهمة للممارسة الأسرية والتربوية، إذ تدعو إلى إشراك الأجداد في برامج التثقيف الرقمي الأسري بدلا من الاقتصار على الآباء، وتصميم رسائل توعوية تراعي اختلاف أنماطهم الاتجاهية، فالنمط شديد القلق يحتاج إلى طمأنة مبنية على الأدلة، بينما يحتاج النمط قليل الانخراط إلى تحفيز على المتابعة والمشاركة، كما تفيد النتائج الباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا المهتمين بدراسات الأسرة والطفولة والتربية الإعلامية، إذ تقدم نموذجا منهجيا لاستخدام تحليل الأنماط الكامنة في تصنيف الاتجاهات الأسرية وربطها بعوامل ديموغرافية وتواصلية قابلة للقياس
ويندرج موضوع الدراسة ضمن اهتمام بحثي متنام يعرف بدراسات التربية الإعلامية الأسرية متعددة الأجيال، إذ لم تعد الوساطة الوالدية في استخدام الأطفال للتقنية شأنا خاصا بالوالدين، بل صارت مسؤولية موزعة على شبكة الرعاية الأسرية كلها، خاصة في المجتمعات التي يحتفظ فيها الأجداد بدور يومي نشط في تنشئة الأحفاد، ويمنح فهم اتجاهات الأجداد أنفسهم الباحثين والممارسين صورة أدق عن البيئة الرقمية الفعلية التي ينشأ فيها الطفل، وعن مواضع الاتساق والاختلاف بين أجيال الأسرة الواحدة في الحكم على التقنية وضبط استخدامها
وخلاصة القول إن اتجاهات الأجداد نحو استخدام الأطفال الصغار للتقنية ليست كتلة واحدة متجانسة، بل أنماط متمايزة تتشكل بتفاعل العمر والبنية الأسرية والتواصل بين الأجيال، ومن ثم أكدت الدراسة الحاجة إلى مزيد من البحث والدعم التربوي الذي يساعد الأجداد على بناء منظورات مستنيرة بالأدلة العلمية، بما يقوي استراتيجيات توجيه الانخراط الرقمي للأطفال داخل الأسرة








