تتناول هذه الدراسة الاستعداد المهني لدى الأكاديميات في كازاخستان في سياق رقمنة التعليم العالي، إذ صارت الكفاءة الرقمية والفاعلية الذاتية والقدرة على التأمل عناصر لا غنى عنها في جاهزية الباحثة الجامعية، بينما ما يزال الدعم المؤسسي متفاوتًا بين جامعة وأخرى وبين بيئة عمل وأخرى
وتستند الدراسة إلى إطار متعدد الأبعاد للجاهزية يجمع بين الفاعلية الذاتية والكفاءة الرقمية والجاهزية التأملية والدعم المؤسسي، وتسعى إلى تحديد أبعاد الاستعداد النفسية والرقمية والتأملية، وفحص ارتباطاتها بعوامل مؤسسية ومهنية وشخصية أساسية، وهي قضايا تلامس تجارب النساء الأكاديميات في بلدان كثيرة، ومنها الجامعات العربية التي تشهد تحولًا رقميًا متسارعًا وحضورًا متناميًا للباحثات في مختلف التخصصات، ومن ثم تصلح الدراسة مرجعًا مقارنًا للباحثين في التعليم العالي ودراسات المرأة الأكاديمية
ويعيد التحول الرقمي تشكيل مهنة الأستاذ الجامعي في العالم كله، إذ أضيف إلى أعباء التدريس والبحث أعباء المنصات الإلكترونية والاجتماعات الافتراضية وإدارة البيانات، وقد تتحمل الباحثات من هذه الأعباء نصيبًا مضاعفًا بفعل أدوار أسرية واجتماعية متوقعة منهن، ومن هنا تبرز متلازمة المحتال، وهي خبرة نفسية شائعة بين ذوي الإنجاز، يشعر فيها الفرد بأنه لا يستحق موقعه وأن نجاحه ضربة حظ قد تنكشف في أي لحظة، رغم الأدلة الموضوعية على كفاءته وخبرته
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
اعتمدت الدراسة تصميمًا تجريبيًا مقطعيًا مع 117 باحثة تراوحت أعمارهن بين 25 و65 عامًا جنّدن من أربع جامعات في منطقة بافلودار في كازاخستان، وجُمعت البيانات عبر استبيان شبه منظم وبطارية عناصر تشخيصية ركزت على الدافعية والجاهزية المعرفية والكفاءة الرقمية والفاعلية الذاتية وأعراض متلازمة المحتال والجاهزية التأملية، وحُللت البيانات بالإحصاء الوصفي واختبارات الارتباط واختبارات مربع كاي باستخدام برنامج إس بي إس إس إصدار 26.0
ثانيًا: أبرز النتائج
1، أظهرت المشاركات عمومًا دافعية قوية وجاهزية معرفية، وفاعلية ذاتية مرتفعة نسبيًا، وقدرة جيدة على التأمل، بينما كانت الكفاءة الرقمية أقل مكونات الجاهزية تطورًا، إذ أبلغت 42 في المئة فقط من المستجيبات عن مستويات مرتفعة منها، وأشارت 28 في المئة إلى مستويات منخفضة
2، رصدت الدراسة أعراض متلازمة المحتال لدى 34 في المئة من المشاركات، ما يشير إلى وجود فئة فرعية معتبرة تعاني هشاشة نفسية رغم كفاءتها الظاهرة وخبرتها المتراكمة
3، أظهر الإرشاد العلمي أقوى ارتباط بالجاهزية، وتلاه التوازن بين العمل والحياة، ثم الموارد والتدريب الرقميان، ثم المجتمعات المهنية، ثم الدعم التنظيمي، في ترتيب يمنح الجامعات خريطة أولويات واضحة للتدخل
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تقترح النتائج أن تولي الجامعات أولوية للإرشاد المنظم، وللارتقاء الرقمي المستهدف بالمهارات التي تحتاجها الباحثة فعلًا، ولسياسات التوازن بين العمل والحياة، ونظرًا لطابع العينة الإقليمي وحجمها الصغير نسبيًا، ينبغي تفسير النتائج بوصفها استكشافية لا قابلة للتعميم على جميع الباحثات في كازاخستان، ويستفيد من هذه الدراسة الباحثون وطلاب الدراسات العليا العرب في بحوث التعليم العالي ودراسات المرأة الأكاديمية، إذ تقدم إطارًا متعدد الأبعاد قابلًا للتكييف لقياس جاهزية الأكاديميات في سياقات التحول الرقمي، وتدعو إلى الانتباه إلى البعد النفسي المتمثل في متلازمة المحتال الذي قد يعيق باحثات كفؤات عن التقدم رغم امتلاكهن المؤهلات
ويمكن للجامعات العربية أن تستلهم من ترتيب العوامل المرتبطة بالجاهزية برنامج عمل واضح المعالم، فتبدأ بتأسيس إرشاد علمي مؤسسي يزاوج بين الباحثات الجدد وباحثات متمرسات، وتبني مجتمعات ممارسة مهنية تتبادل فيها الأكاديميات الخبرات الرقمية والبحثية، وتوفر تدريبًا رقميًا متدرجًا يراعي الفروق الفردية في المستوى الرقمي بدل الدورات الموحدة، وتكفل سياسات مرنة تحمي التوازن بين العمل والحياة دون مساس بالإنتاجية، كما ينبغي أن تلتفت إلى الدعم النفسي بوصفه جزءًا من منظومة الجاهزية لا رفاهية جانبية مؤجلة
وخلاصة القول إن جاهزية الباحثات في كازاخستان قوية في الدافعية والفاعلية الذاتية، وضعيفة نسبيًا في كفاءتهن الرقمية، وإن الإرشاد العلمي المنظم هو الرافعة المؤسسية الأقوى لرفع هذه الجاهزية ودعم النساء في مسارهن الأكاديمي








