0505276099للتواصل والاتصال
دليل عملي

الطباق متعدد الحواس: من الموسيقى إلى الوسائط المتعددة بين عدم التطابق والتنافر المعرفي والسخرية

يتناول هذا المقال مراجعة وصفية تاريخية نقدية لمفهوم الطباق متعدد الحواس، أي الجمع المتعمد بين مثيرات سمعية وبصرية غير متطابقة في الموسيقى والوسائط المتعددة، ويبين كيف يوظف هذا التنافر لإحداث التنافر المعرفي والسخرية والسريالية، وكيف يختلف أثره عن تجارب التطابق الحسي في المختبر

تقدم بحوث الإدراك متعدد الحواس في المختبرات للمشاركين عادة توليفات غير متوقعة من المثيرات السمعية والبصرية، يصنفها الباحث إما متطابقة أو غير متطابقة، ويفترض علماء الأعصاب المعرفيون عمومًا أن التوليفات المتطابقة ستعالج بطلاقة أكبر وتقود إلى ربط متعدد الحواس وتكامل أقوى مقارنة بالتوليفات غير المتطابقة

غير أن الموقف في المختبر يختلف اختلافًا لافتًا عن الجمع المتعمد بين العين والأذن في سياق فني، كحين تضاف الموسيقى إلى الفيلم، فقد يدخل الصراع عمدًا إلى المشهد، ويختار المخرج مثلًا أن يجمع بين عنف بصري على الشاشة وموسيقى مبهجة سعيدة، ويدعو هذا عدم التطابق الوجداني المشاهد إلى التأمل فيما يختبره وفي سبب اختيار هذه التوليفة تحديدًا، وهو موضوع يفتح بابًا واسعًا أمام الباحثين في علم نفس الفن والإعلام، إذ يمس الطريقة التي تصنع بها الأعمال الفنية معناها من التوتر ذاته لا من الانسجام وحده

وتتكامل حواس الإنسان في حياته اليومية تكاملًا تلقائيًا، فيقرأ حركة الشفاه ليحسن السمع في الضجيج، ويتأثر مذاق الطعام برائحته ولونه، ولهذا صار الإدراك متعدد الحواس حقلًا مزدهرًا يجمع علم النفس والأعصاب والفنون، ويتقاطع مع صناعات السينما والموسيقى والألعاب والواقع الافتراضي، ويتيح للباحث فهمًا أعمق للكيفية التي يبني بها الدماغ تجربة موحدة من مدخلات حسية متفرقة قد تبدو متنافرة في ظاهرها

أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها

تتخذ هذه الدراسة صورة مراجعة وصفية تاريخية نقدية لمفهوم الطباق متعدد الحواس، وهو الجمع المتعمد بين مثيرات حسية غير متطابقة لإحداث أثر فني أو بلاغي، وتراجع الدراسة البحوث والتنظير المتعلقين باستخدام هذا الطباق، متنقلة من الموسيقى إلى الوسائط المتعددة، ومرورًا بمفاهيم عدم التطابق والتنافر المعرفي والسخرية والسريالية، دون أن تعتمد عينة تجريبية أو بيانات مختبرية جديدة، بل تستند إلى قراءة تاريخية ناقدة للأدبيات المتراكمة في هذا الحقل

ثانيًا: أبرز النتائج

1، تبين المراجعة أن عدم التطابق الوجداني بين الحواس في السياق الفني يستخدم أحيانًا أداة بلاغية لإدخال لمسة من السخرية إلى العمل، فيدفع المتلقي إلى إعادة تفسير ما يراه ويسمعه بدل تلقيه المباشر

2، تلاحظ المراجعة أنه في حالات الطباق الفني هذه يغيب الإحساس بمتوسط المدخلات الحسية أو آثارها الوجدانية، وهو ما يشاهد غالبًا حين تقدم مدخلات متطابقة في دراسات علم النفس المعرفي، فلا تمتزج المشاعر المتعارضة في شعور وسطي مخفف

3، تبرز المراجعة الفجوة بين سياق المختبر وسياق الفن، فالمشارك في التجارب لا يتلقى عادة أي معلومات أو سياق يفسر سبب تقديم هذه التوليفات التي تبدو عشوائية من المثيرات الحسية، بينما يعرف المشاهد في الفيلم ضمنًا أن الجمع بين الصوت والصورة مقصود وموجه لغاية

ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها

تدعو هذه الخلاصات الباحثين إلى إعادة التفكير في افتراضاتهم حول تفوق التطابق الحسي دائمًا، وإلى تصميم تجارب تراعي السياق والمعنى اللذين يحملهما المتلقي معه، كما تمنح صناع الأفلام والوسائط فهمًا أعمق لكيفية توظيف التنافر بين الموسيقى والصورة لإثارة التأمل والسخرية والأثر السريالي، وتفيد الباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا في دراسات الإعلام وعلم نفس الإدراك عند تحليل الأعمال السمعية البصرية وتحريك مشاعر جمهورها، إذ تصلح المراجعة إطارًا مفاهيميًا لقراءة الموسيقى التصويرية في الدراما والسينما العربية قراءة تحليلية منهجية

وتمتد فائدة المراجعة إلى النقد الفني وتحليل الأعمال الإبداعية العربية، إذ توظف الأغنية والمسرح والدراما التلفزيونية أحيانًا موسيقى مرحة فوق مشاهد مأساوية أو إيقاعًا صاخبًا فوق حوار هادئ، فتولد مسافة نقدية لدى المتلقي تجعله شريكًا في صناعة المعنى لا متلقيًا سلبيًا، كما تفيد دارسي السريالية في الأدب والفن التشكيلي الذين يجمعون بين صور متنافرة قصدًا لكسر أحادية الإدراك المعتاد، وتفتح الباب أمام دراسات تجريبية عربية تصمم مثيراتها مستلهمة من التراث الفني المحلي بدل استيراد مواد غربية جاهزة

وخلاصة القول إن التنافر المتعمد بين الحواس ليس خطأ في التصميم الفني بل أداة تعبيرية قصدية، وإن فهم الطباق متعدد الحواس يقتضي تجاوز مختبرات التطابق وعدم التطابق إلى فضاء الفن حيث يصنع المعنى من الصراع ذاته

طلب بيانات المقال

آراء عملائنا

صورة مراجعة عميل من Google Maps
صورة مراجعة عميل من Google Maps
صورة مراجعة عميل من Google Maps
صورة مراجعة عميل من Google Maps
صورة مراجعة عميل من Google Maps
صورة مراجعة عميل من Google Maps
صورة مراجعة عميل من Google Maps
صورة مراجعة عميل من Google Maps
سلة طلب الرسائل (0)