يعزز التنوع في هيئات تحرير المجلات العلمية وفي عملية تحكيم الأقران احتمال أن يكون نشر النتائج العلمية ملائمًا ومحترمًا للقراء والمستخدمين النهائيين على اختلاف فئاتهم، وقد فحصت دراسات سابقة التنوع بين أعضاء هيئات التحرير والمحكمين من زوايا النوع الاجتماعي والموقع الجغرافي والعرق، بينما ظل تمثيل الأشخاص ذوي الإعاقة محدود الدراسة رغم أن إشراكهم يمنح البحث منظورات لا تتوافر لغيرهم ممن لم يعايشوا ظروف الإعاقة وأثرها في الحياة اليومية، وتكتسب هذه القضية حساسية مضاعفة في أبحاث جودة الحياة إذ تقاس فيها مفاهيم كالاستقلالية والمشاركة والرضا عن الحياة وهي مفاهيم تتشكل بعمق من التجربة المعيشة ذاتها، فيغدو غياب أصحاب التجربة عن طاولات التقويم ثغرة معرفية وأخلاقية معًا
وتنظر هذه الدراسة في حالة محددة هي تمثيل الأشخاص ذوي الخبرة الحية بإصابة الحبل الشوكي في المجلات التي نشرت بين عامي 2012 و2022 أبحاثًا حول جودة حياة هذه الفئة، إذ سعت إلى فهم مشهد الشمول الحالي في ممارسات تلك المجلات، وما إذا كان ذوو الخبرة الحية يشاركون فعلًا في عمليات التحكيم والتحرير التي تمر بها الأبحاث المعنية بحياتهم، وما العوائق التي تحول دون مشاركة أوسع لهم إن وجدت
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
اعتمدت الدراسة على استبانة تكييفية مكونة من اثني عشر سؤالًا مفتوحًا ومغلقًا وزعت على 31 محررًا من محرري المجلات المعنية على مدى شهر واحد بدءًا من ديسمبر 2022، وتلقى فريق الدراسة عشر استجابات مكتملة وخمس استجابات جزئية بنسبة استجابة بلغت 48 في المئة، وحللت الاستجابات لرصد مدى إشراك المجلات لذوي الخبرة الحية بإصابة الحبل الشوكي في ممارسات التحكيم والتحرير وأبرز العوائق المبلغ عنها في تحقيق هذا الهدف، وروعي في تصميم الاستبانة الجمع بين الأسئلة الكمية القابلة للعد والأسئلة المفتوحة التي تتيح للمحررين وصف ممارسات مجلاتهم وعوائقها بصياغتهم الخاصة
ثانيًا: أبرز النتائج
1، على الرغم من صغر حجم العينة، أشار أكثر من نصف المستجيبين بواقع ثمانية من خمسة عشر مستجيبًا إلى أن ممارسات التحكيم في مجلاتهم تشرك أشخاصًا ذوي خبرة حية بإصابة الحبل الشوكي، بما يشير إلى شمول إيجابي وإن كان غير مكتمل
2، تعلقت أبرز العوائق المبلغ عنها في تحقيق هذا الهدف بصعوبة التعرف إلى الأشخاص ذوي الخبرة الحية وتجنيدهم للعمل في عمليات التحكيم والتحرير
3، أظهرت الاستجابات تفاوتًا بين المجلات في مستوى الإشراك، فبعضها خطا خطوات فعلية نحو إشراك ذوي الخبرة الحية بينما ما يزال حضورهم غائبًا أو هامشيًا في مجلات أخرى، بما يجعل الصورة العامة خليطًا من ممارسات واعدة وأخرى لم تبدأ بعد
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تدل هذه النتائج على اتجاهات إيجابية غير مكتملة نحو الشمول في ممارسات المجلات المعنية بجودة حياة المصابين بإصابات الحبل الشوكي، وتوصي الدراسة ببذل جهود صريحة وأصيلة للتجنيد عبر القنوات المجتمعية التي تصل إلى هذه الفئة حيث توجد، بدل انتظار تقدمهم التلقائي إلى أدوار التحكيم والتحرير، كما تقترح الدراسة لتحسين التمثيل أكثر أن يمنح المحررون والمحكمون فرصة التعريف بأنفسهم بوصفهم من ذوي الإعاقة دون تمييز أو تحيز، فإتاحة هذا التعريف الذاتي الآمن تكشف حجم التمثيل القائم وتشجع آخرين على المشاركة، كما أن إشراك ذوي الخبرة الحية يعيد توزيع السلطة المعرفية داخل النشر العلمي فلا يعود المصاب موضوعًا للدراسة فحسب بل شريكًا في تقويم ما يكتب عنه واعتماده، وهي خطوات عملية يمكن أن تتبناها المجلات العربية الساعية إلى تحرير وتحكيم أكثر شمولًا وعدالة
وخلاصة القول إن إشراك ذوي الخبرة الحية في تحكيم الأبحاث المعنية بهم وتحريرها ليس ترفًا رمزيًا بل جسر منظورات يثري جودة النشر وملاءمته لمن يكتب عنهم، وإن العائق الأكبر ليس رفض المشاركة بل صعوبة الوصول إلى هؤلاء الخبراء وتجنيدهم، ومن هنا تقع على المجلات مسؤولية بناء قنوات مجتمعية فاعلة تستقطبهم وتحتفظ بهم








