يقوم تحكيم الأقران ركنًا أساسيًا في النشر العلمي، غير أن صيغته أحادية التعمية التي يعرف فيها المحكم هوية المؤلفين دون أن يعرفوه تخلق اختلالًا في موازين القوى بين الطرفين قد يؤثر في موضوعية التقويم، إذ قد تتسرب اعتبارات المكانة والمؤسسة والسمعة إلى أحكام المحكمين، ومن هنا اتجهت مجلات متزايدة إلى التحكيم مزدوج التعمية الذي تخفى فيه هوية المؤلفين عن المحكمين كما تخفى هوية المحكمين عنهم، طمعًا في تقويم يركز على جودة المخطوط ذاته لا على هوية أصحابه
وعلى الرغم من انتشار هذا التوجه، ظلت الأدلة التجريبية حول آثاره الفعلية في سلوك المحكمين محدودة، فأسئلة جوهرية بقيت بلا إجابات حاسمة تتعلق بما إذا كان إخفاء هوية المؤلفين يغير استعداد الخبراء لقبول مهام التحكيم، وبما إذا كانت توصياتهم بالنشر أو التعديل أو الرفض ستختلف، وبما إذا كانت جودة تقارير التحكيم ذاتها سترتفع أو تنخفض، ومن هنا جاءت هذه الدراسة لتستكشف هذه الأسئلة الثلاثة مستفيدة من تحول حقيقي أجرته مجلة طبية فنلندية من التحكيم أحادي التعمية إلى التحكيم مزدوج التعمية
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
اعتمدت الدراسة على مقارنة تقارير التحكيم المقدمة إلى المجلة الطبية الفنلندية بعد تحولها إلى التعمية المزدوجة في سبتمبر 2017، إذ شملت مادة الدراسة تقارير الجولة الأولى المقدمة بين سبتمبر 2017 وفبراير 2018، وقارنتها بمجموعات ضابطة من تقارير التعمية الأحادية المقدمة في فترتين سابقتين، وحسب الباحثون نسبة دعوات التحكيم التي أسفرت عن تقارير مستلمة لقياس الاستعداد للتحكيم، ورصدوا توصيات المحكمين من بين القبول كما هو أو التعديل الطفيف أو التعديل الجوهري أو الرفض، وقوم اثنان من المحكمين ذوي الخبرة محتوى التقارير بأداة جودة التحكيم المعدلة لتناسب المخطوطات الأصلية ومخطوطات المراجعة، واستخدم اختبار مربع كاي لفحص التوصيات ودرجات الجودة واختبار ت للعينات المستقلة لمقارنة المتوسطات
ثانيًا: أبرز النتائج
1، بلغ عدد تقارير الجولة الأولى مزدوجة التعمية 118 تقريرًا عن 59 مخطوطًا، قوبلت بمائتين واثنين وثلاثين تقريرًا أحادي التعمية عن 116 مخطوطًا، واستقرت نسبة الدعوات الناجحة عند 67 في المئة في التعمية الأحادية و66 في المئة في التعمية المزدوجة، فلم يتغير استعداد الخبراء للتحكيم
2، أوصى المحكمون في التعمية المزدوجة بالقبول كما هو أو التعديل الطفيف بنسبة أقل من فترة المقارنة بواقع 59 في المئة مقابل 73 في المئة، وأوصوا بالتعديل الجوهري أو الرفض بنسبة أعلى بواقع 41 في المئة مقابل 27 في المئة عند مستوى دلالة 0.010، فصار المحكمون أكثر نقدًا بقليل
3، في تقويم الجودة قوبلت 116 مراجعة مزدوجة التعمية بمائة وأربع مراجعات أحادية التعمية، وحصلت التقارير مزدوجة التعمية على نسبة أعلى من تقديرات أربعة وخمسة على مقياس من خمس درجات بواقع 56 في المئة مقابل 49 في المئة عند مستوى دلالة أدنى من 0.001
4، بلغ متوسط الجودة العامة للتقارير مزدوجة التعمية 3.38 مقابل 3.22 للتقارير أحادية التعمية عند مستوى دلالة أدنى من 0.001، بما يرجح تفوق جودة التحكيم مزدوج التعمية
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تحمل هذه النتائج دلالات عملية لمحرري المجلات وصناع سياسات النشر، فالتحول إلى التعمية المزدوجة لا يبدو مكلفًا من حيث إقبال المحكمين على أداء المهمة، بينما يرتبط بتقارير أعلى جودة وبأحكام أكثر تشددًا تجاه المخطوطات، وهو ما قد يرفع مستوى ما ينشر ويعزز عدالة التقويم بعيدًا عن أثر الهويات، غير أن ازدياد النقدية يستدعي انتباه المحررين إلى موازنة الصرامة بعدالة الفرص المتاحة للمؤلفين ولا سيما الباحثين في بدايات مسيرتهم، وتبقى النتائج مستمدة من مجلة واحدة وسياق وطني واحد مما يدعو إلى تكرار الفحص في مجلات وتخصصات أخرى قبل تعميم الاستنتاجات
وخلاصة القول إن التحكيم مزدوج التعمية قدم في هذه التجربة صورة مشجعة إذ حافظ على استعداد المحكمين وحسن جودة تقاريرهم وزاد نقديتهم قليلًا، وهي معادلة تدعم المجلات الساعية إلى تقويم أكثر إنصافًا للمخطوطات، وتفيد المحررين والباحثين العرب المعنيين بتطوير مجلاتهم العلمية ورفع موثوقية تحكيمها وعدالته








