تدرس النشاطات المنسقة والشبيهة بالبوتات على منصات التواصل الاجتماعي عادة بكواشف خاضعة للإشراف تحتاج إلى بيانات حسابات غنية كالملفات الشخصية والخطوط الزمنية وشبكات المتابعين، وهي بيانات يصعب الحصول عليها على نحو متزايد مع تشديد المنصات قيود الوصول، ويطرح ذلك سؤالًا منهجيًا حول ما يمكن إثباته بشأن منظومة ردود حساب ما اعتمادًا على منشوراته وردوده الظاهرة للعيان وحدها
وتجيب هذه الدراسة عن هذا السؤال عبر دراسة حالة لمنظومة ردود حساب رسمي لحزب سياسي، مستخدمة سمات سلوكية لا تحتاج إلى أي بيانات ملف شخصي، بما يقدم نموذجًا عمليًا لدراسة التلاعب الرقمي في البيئات التي تغلق فيها المنصات أبواب البيانات أمام الباحثين والمؤسسات الرقابية
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى توصيف النشاط الشبيه بالبوتات في منظومة ردود حساب حزب سياسي رسمي، واعتمدت سمات سلوكية خالية من الملفات الشخصية تغطي تكرار النصوص، والإنتروبيا على مستوى الحروف، وانتظام التوقيت، وزمن الاستجابة للرد، وتغطية المنشورات، واستكملت ذلك بتحليل شبكة التعليق المشترك بين الحسابات، وبلغت البيانات 23953 ردًا كتبتها 1985 حسابًا خلال الفترة من ديسمبر 2025 إلى يناير 2026، وجمعت الحسابات النشطة بتجميع غير خاضع للإشراف قائم على الكثافة، ثم صنفت الطبقات بقاعدتي تصنيف شفافتين
تقوم فكرة السمات الخالية من الملفات الشخصية على الاكتفاء بما يظهر علنًا في الردود ذاتها من نصوص وتوقيتات وتفاعلات، دون أي وصول إلى الخطوط الزمنية أو شبكات المتابعين، بما يجعل المنهج قابلًا للتطبيق حتى حين تشدد المنصات قيود بياناتها، وقد اقتصر التحليل التجميعي على الحسابات النشطة لضمان كفاية البيانات السلوكية لكل حساب
ثانيًا: أبرز النتائج
1، فصل التجميع مع قاعدتي التصنيف ثلاث طبقات سلوكية، أولاها المضخمات القالبية المعرفة بإعادة استخدام النصوص، وثانيتها المستجيبات المستمرة ذات النصوص الشبيهة بنصوص البشر لكن بأحجام وتغطية متطرفة، وثالثتها البقية العضوية من الحسابات الطبيعية
2، شكلت الطبقتان غير العضويتين 5.4 في المئة فقط من الحسابات، لكنهما أنتجتا 53.5 في المئة من مجمل التعليقات، وهو تركز حاد يبين كيف يمكن لأقلية صغيرة أن تهيمن على الخطاب الظاهر في المنظومة
3، ثبتت هذه التركيبة تحت إعادة المعاينة وتحليل حساسية العتبات، وكان نمط إخفاقها محافظًا فحسب، إذ تترك الإعدادات المفرطة في الصرامة طبقة دون إسناد بدل أن تعيد تشكيلها أو تذيب حدودها
4، ارتفعت أعلام البريد المزعج الخاصة بالمنصة ذاتها، وهي لم تستخدم مدخلًا في التحليل قط، ارتفاعًا مطردًا من الحسابات العضوية إلى المضخمات القالبية مرتبة عبر الطبقات، بما يتوافق مع التجميع السلوكي ويعزز صدقه الخارجي
5، استخدم التحليل سمات سلوكية قابلة للحساب من المنشورات والردود العلنية وحدها، بما يجعل المنهج قابلًا للنقل إلى حسابات ومنصات أخرى دون الحاجة إلى بيانات امتيازية أو واجهات برمجية خاصة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تبين هذه النتائج أن السمات السلوكية البسيطة المستخرجة من الردود العلنية وحدها تكفي لكشف بنية نشاط منسق مؤثر، دون الحاجة إلى بيانات الملفات الشخصية أو شبكات المتابعين، وهو ما يوسع إمكانات بحث التلاعب الرقمي أمام الباحثين في البيئات مقيدة البيانات، ويمكن للباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا في الإعلام الرقمي توظيف هذا المدخل الشفاف لدراسة الحملات المنسقة في الفضاءات العربية، مع الانتباه إلى أن غياب طبقة من النتائج لا يعني بالضرورة غياب النشاط، بل قد يعني فحسب صرامة العتبات المعتمدة في التصنيف
وتقدم الدراسة أيضًا اختبارًا خارجيًا ذكيًا للصدق، إذ قارنت طبقاتها السلوكية بأعلام البريد المزعج التي تصدرها المنصة ذاتها دون أن تستخدمها مدخلًا، فجاء التطابق المطرد دليلًا مستقلًا على سلامة التجميع، وهو أسلوب تحقق يمكن أن يستلهمه الباحثون عند دراسة المنظومات الرقمية المشبوهة في سياقاتهم المحلية
وخلاصة القول إن أقلية صغيرة من الحسابات القالبية والمستمرة قادرة على إنتاج أكثر من نصف التعليقات في منظومة ردود سياسية، وإن كشفها ممكن بأدوات سلوكية شفافة لا تتطلب امتيازات وصول خاصة إلى بيانات المنصة








