تعد صعوبات التعلم من القضايا قليلة البحث في تعليم الطب والتمريض حول العالم، ويزداد إغفالها حدة حين يتعلق الأمر بإدراك الطلبة لزملائهم من ذوي صعوبات التعلم، وهي زاوية مهمشة بصورة خاصة في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل مثل فيتنام، فطلبة اليوم هم مهنيو الرعاية الصحية غدًا، ومعرفتهم الدقيقة بصعوبات التعلم واتجاهاتهم نحوها قد تشكل دعمًا لبيئة تعليمية شاملة أو تتحول إلى حواجز خفية تعزل زملاءهم وتعيق اندماجهم ونجاحهم
وقد ظلت أسئلة أساسية دون إجابة في السياق الفيتنامي، من قبيل مدى وعي طلبة الطب والتمريض بصعوبات التعلم ودقة فهمهم لها، وما إذا كانت تصوراتهم قد تفرض عوائق أمام بناء بيئة تعليمية أكثر شمولًا لأقرانهم، ومن هنا أجريت هذه الدراسة المسحية الوطنية لاستقصاء المعرفة بصعوبات التعلم والاتجاهات نحوها لدى طلبة الطب والتمريض الجامعيين في فيتنام والعوامل الاجتماعية الديموغرافية المرتبطة بهما
فالطالب ذو صعوبات التعلم في كليات الطب والتمريض يواجه متطلبات معرفية وسريرية مكثفة تستلزم قراءة سريعة وحفظًا واسعًا وكتابة دقيقة تحت الضغط، وحين يفتقر زملاؤه وأساتذته إلى فهم طبيعة صعوبته قد تفسر تظاهراتها خطأ بوصفها كسلًا أو ضعف كفاءة، فيتضاعف عبؤه النفسي والدراسي وتتآكل فرصه في النجاح، ولذلك يعد بناء الوعي المؤسسي بصعوبات التعلم ركنًا في العدالة التعليمية لا ترفًا معرفيًا
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى قياس مستوى المعرفة بصعوبات التعلم والاتجاهات نحوها لدى طلبة الطب والتمريض في فيتنام وفحص علاقتهما والعوامل المرتبطة بهما، واعتمدت استبيانًا كميًا مقطعيًا عبر الإنترنت أجري في المدة من شهر تشرين الثاني عام 2023 إلى شهر شباط عام 2024 ضمن دراسة استكشافية أوسع مختلطة المناهج، وشملت العينة 845 طالبًا وطالبة من طلبة البكالوريوس في الطب والتمريض من أربع عشرة جامعة موزعة في أنحاء فيتنام، وسجلت الأسئلة المتعلقة بالمعرفة والاتجاهات على مقياس ليكرت الرباعي، فبلغ الحد الأقصى لدرجة المعرفة 27 درجة ولدرجة الاتجاهات 60 درجة، واستخدمت في التحليل معاملات ارتباط بيرسون وسبيرمان واختبارات تائية وتحليل التباين الأحادي بحسب طبيعة المتغيرات
ثانيًا: أبرز النتائج
1، بلغ متوسط درجات المعرفة بصعوبات التعلم لدى الطلبة 16.09 من أصل 27 درجة، ومتوسط درجات الاتجاهات 34.01 من أصل 60 درجة، بما يعكس مستويات متوسطة تحتاج إلى تطوير في الجانبين
2، سجل طلبة الجامعات الخاصة والطلبة المنحدرون من أسر ذات دخل أعلى درجات معرفة أعلى دلاليًا من أقرانهم، في حين لم تؤثر هذه العوامل في درجات الاتجاهات
3، جاء معامل الارتباط بين المعرفة والاتجاهات ضعيفًا، بما يوحي بأن زيادة المعلومات وحدها لا تكفي لتغيير تصورات الطلبة نحو زملائهم من ذوي صعوبات التعلم، وأن استراتيجيات شاملة أعمق أثرًا مطلوبة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
توصي الدراسة بدمج محتوى يتعلق بصعوبات التعلم في المناهج الدراسية، وتدريب أعضاء هيئة التدريس والطلبة على التعرف على صعوبات التعلم واستراتيجيات دعم أصحابها، وإنشاء برامج دعم الأقران في الجامعات الفيتنامية كافة، مع إعطاء أولوية للتدخلات الهادفة إلى رفع الوعي لدى طلبة الجامعات الحكومية والطلبة من الخلفيات الاقتصادية والاجتماعية الأدنى، وتقدم هذه التوصيات للباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا في التربية الخاصة والتعليم الطبي خريطة عملية لبناء بيئات جامعية شاملة تراعي التنوع في قدرات التعلم
وتبرز في النتائج فجوة بين الجامعات الحكومية والخاصة وبين مستويات الدخل الأسري تستدعي عدالة في توزيع موارد التوعية والتدريب، فلا يجوز أن يظل الوعي بصعوبات التعلم امتيازًا مرتبطًا بالقدرة المالية أو بنوع الجامعة، بل حقًا تعليميًا مكفولًا لجميع الطلبة، وهو درس يتجاوز السياق الفيتنامي إلى أنظمة تعليم طبي عربية كثيرة تواجه تباينات مماثلة بين مؤسساتها الحكومية والخاصة
وخلاصة القول إن وعي طلبة المهن الصحية بصعوبات التعلم بذرة لثقافة مهنية شاملة تمتد آثارها من قاعات الدراسة إلى مؤسسات الرعاية، وإن تطوير هذا الوعي معرفة واتجاهًا معًا استثمار في عدالة التعليم وجودة الرعاية الصحية على حد سواء








