يعرف التسويف بأنه التأجيل الطوعي للمهام العاجلة رغم إدراك الفرد لما يترتب على التأجيل من عواقب، وفي مقابله يقف الاستعجال في الإنجاز أو ما يسمى التقديم المبكر للمهام، وهو ميل الفرد إلى إتمام مهامه في أسرع وقت ممكن فور تسلمها، ويعد الطرف الأقصى من هاتين الحالتين ضارًا بالصحة النفسية، فالتسويف المزمن يرتبط بالضغط والندم وتدني الإنجاز، والإفراط في الاستعجال قد يولد عبئًا معرفيًا واندفاعًا غير محسوب
وعلى الرغم من وفرة أدوات قياس التسويف، ظل القياس يعاني فجوة جوهرية، إذ لم توجد أداة واحدة تقيس الميل نحو التسويف والميل نحو الإنجاز المبكر في وقت واحد، فتقاس كل سمة بمقياس مستقل يصعب معه رسم صورة متكاملة لموقع الفرد على هذا المتصل السلوكي، وجاءت هذه الدراسة بوصفها الأولى من نوعها لسد هذه الفجوة عبر تطوير مقياس شامل للسمتين معًا والتحقق من خصائصه السيكومترية
وتنتشر ظاهرتا التسويف والاستعجال بين الشباب الجامعي والمهني انتشارًا ملحوظًا في بيئات العمل والدراسة الحديثة التي تتكاثر فيها المهام المفتوحة والمواعيد المرنة والمشتتات الرقمية، ويترتب على كل منهما كلف نفسية ومهنية لا يستهان بها، فتأجيل المهام يكدس الضغوط في اللحظات الأخيرة، والاندفاع إلى إنجاز كل شيء فورًا يستنزف الانتباه ويعطل ترتيب الأولويات، ومن ثم أصبح قياس الميلين معًا حاجة بحثية وتطبيقية متنامية
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تطوير مقياس سمات التسويف والإنجاز المبكر والتحقق من صدقه وثباته، ومرت عملية البناء بمراحل متتابعة شملت توليد البنود المحتملة من مراجعة الأدبيات وآراء الخبراء والاختبار التجريبي الأولي ثم التحليل العاملي الاستكشافي والتحليل العاملي التوكيدي، إضافة إلى تقويم الصدق التقاربي والصدق التباعدي، وجمعت البيانات عبر التعهيد الجماعي من خمسة آلاف مشارك شكلت النساء نسبة 60 في المئة منهم، وتراوحت أعمارهم بين ثمانية عشر وثمانية وثلاثين عامًا بمتوسط بلغ ثمانية وعشرين عامًا، وتوزعوا على قارات أفريقيا وآسيا وأستراليا وأوروبا وأمريكا الشمالية وأمريكا الجنوبية
ثانيًا: أبرز النتائج
1، أفرز التحليل العاملي الاستكشافي عاملين متميزين يمثلان التسويف والإنجاز المبكر، واستقر المقياس في صورته النهائية على ثمانية عشر بندًا موزعة على هذين العاملين
2، أكد التحليل العاملي التوكيدي ملاءمة جيدة للبنية الثنائية العوامل، وبلغ معامل الثبات أوميغا لعامل التسويف 0.86 وألفا كرونباخ 0.87، ولعامل الإنجاز المبكر 0.79 و0.77 على الترتيب، وعكست مؤشرات المطابقة صدقًا قويًا إذ بلغ مؤشر المطابقة المقارن 0.94 ومؤشر تاكر لويس 0.93 ومؤشر المطابقة غير المعياري 0.93 وجذر متوسط مربع خطأ التقريب 0.05
3، ثبت الصدق التقاربي للمقياس من ارتباط عامل التسويف فيه ارتباطًا موجبًا دالًا بلغ 0.80 بمقياس التسويف الخالص، وثبت صدقه التباعدي من ارتباط هذا العامل ارتباطًا عكسيًا دالًا بلغ سالب 0.47 بمقياس الرضا عن الحياة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
يقدم هذا المقياس للباحثين والممارسين أداة اقتصادية موثوقة وصادقة لقياس التسويف والإنجاز المبكر معًا، تصلح للاستخدام في البحوث النفسية والتربوية والتنظيمية وفي فحص الأفراد وتقويم التدخلات الهادفة إلى تعديل عادات إدارة المهام، ويعزز جمع بيانات التقنين من ست قارات متنوعة من إمكانية عالمية المقياس ودلالاته عبر الثقافات، ويفيد الباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا نموذجًا تطبيقيًا كاملًا لمراحل بناء المقاييس النفسية وتقنينها من توليد البنود حتى اختبارات الصدق والثبات
كما يتيح توافر أداة واحدة للسمتين إجراء دراسات مقارنة واسعة النطاق حول علاقتهما بالصحة النفسية والأداء الأكاديمي والوظيفي وسمات الشخصية، ويسهل على المستشارين النفسيين رسم خريطة دقيقة لأسلوب الفرد في التعامل مع المهام قبل تصميم أي تدخل إرشادي، وهو ما يخدم الممارسة الإرشادية في الجامعات العربية التي تتعامل مع شكاوى التسويف بوصفها من أكثر المشكلات شيوعًا بين الطلبة
وخلاصة القول إن قياس التسويف والإنجاز المبكر بأداة واحدة يمنح الباحثين خريطة أدق لعلاقة الإنسان بمهامه ووقته، وإن المقياس الذي قدمته هذه الدراسة بما يتمتع به من ثبات وصدق عبر ثقافات متنوعة إضافة منهجية تستحق التوظيف والاختبار في البيئات العربية








