أفادت دراسات واسعة بأن منهجيات التعلم النشط تحسن الأداء الأكاديمي في تعليم العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، إذ تنقل الطالب من متلق سلبي إلى مشارك فاعل في بناء معرفته، وتقدم هذه الورقة دراسة حالة لتطبيق مزيج من هذه المنهجيات في مقرر جامعي لأساسيات شبكات الحاسوب، متتبعة أثر التدرج في إدخالها على مدى سنوات في التدريس والتقويم معًا، وما ترتب على ذلك من تغير في مؤشرات النجاح والحضور ورضا الطلاب، بما يقدم نموذجًا عمليًا قابلًا للنقل والتكييف في مقررات جامعية أخرى في التخصصات العلمية والتقنية التي تعاني عادة من ارتفاع معدلات التعثر والانسحاب منها
ويقصد بالتعلم النشط مجمل الاستراتيجيات التي تجعل الطالب مشاركًا في إنتاج المعرفة عبر المناقشة وحل المشكلات والعمل الجماعي والتطبيق الفوري بدل الاكتفاء بالاستماع والتدوين، وقد راكمت البحوث أدلة على أثره في خفض معدلات الرسوب ورفع التحصيل ولا سيما في التخصصات العلمية والهندسية، غير أن كثيرًا من التجارب طبقت منهجية واحدة معزولة، بينما تختبر هذه الدراسة قيمة الدمج المنهجي بين عدة منهجيات في التدريس والتقويم معًا وعلى مدى زمني طويل، ويهتم الباحثون العرب وطلاب الدراسات العليا بمثل هذه الدراسات الطولية لأن تحديث المقررات الجامعية في المنطقة يحتاج إلى نماذج مجربة تدريجيًا لا إلى قفزات مفاجئة يصعب استدامتها
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
بدأت دراسة الحالة عام 2018 حين كان المقرر يدرس بالطريقة التقليدية القائمة على المحاضرات والاختبارات الكتابية، ثم أدخلت منهجيات تعلم نشط مختلفة تدريجيًا في التدريس والتقويم وصولًا إلى تحسن عام في الأداء الأكاديمي، ففي جانب التدريس تقدم الدروس الآن وفق منهجية الصف المقلوب التي تنقل الشرح إلى ما قبل الحصة وتخصص وقتها للأنشطة التطبيقية، وفي جانب التقويم يتكون التقييم من مزيج موزون من سبعة أنماط من الأنشطة هي اختبارات التعلم الذاتي الفردية، ومجموعات المسائل الجماعية، والاختبارات الفردية المحوسبة، وغرف الهروب الجماعية، والتعلم القائم على المشروعات، والتعلم القائم على الحالات، والتعلم القائم على التحديات
ثانيًا: أبرز النتائج
1، كشفت النتائج عبر فترة ست سنوات عن تحسن كبير في نسبة الحضور إلى التسجيل في المقرر
2، تحسنت كذلك نسبة النجاح إلى التسجيل بما يعكس ارتفاعًا في إتمام الطلاب للمقرر بنجاح واجتيازهم متطلباته
3، ارتفعت نسبة النجاح إلى الحضور، وهو ما يشير إلى أن من يواظبون على الحضور باتوا يحققون نجاحًا بدرجة أكبر من ذي قبل
4، قيم الطلاب في تغذيتهم الراجعة مزيج منهجيات التعلم النشط المطبق في المقرر تقييمًا إيجابيًا يعكس رضاهم عن التجربة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تقدم دراسة الحالة دليلًا عمليًا على أن أثر منهجيات التعلم النشط يتضاعف حين تدمج بصورة متكاملة في التدريس والتقويم معًا لا حين تستخدم فرادى ومنعزلة، ويمكن لمصممي المقررات الجامعية في تخصصات العلوم والهندسة الاستفادة من التجربة بتبني الصف المقلوب إطارًا للتدريس وتنويع أدوات التقويم بما يوازن بين الجهد الفردي والعمل الجماعي، مع الانتباه إلى أن التدرج في الإدخال عبر سنوات أتاح ضبط التجربة وتطويرها بناء على التغذية الراجعة، وأن دراسة الحالة تظل مقيدة بسياق مقرر واحد وتستدعي تجارب مماثلة في مقررات وجامعات أخرى للتحقق من قابلية تعميم نتائجها وحدود هذا التعميم
وتثير التجربة أسئلة عملية مهمة حول كلفة الدمج ومتطلباته، فغرف الهروب التعليمية والمشروعات والتعلم القائم على التحديات تحتاج إلى تصميم دقيق ووقت إعداد وربما موارد إضافية، كما أن موازنة سبعة أنماط تقويمية تستلزم شفافية كاملة في توزيع الدرجات حتى يدرك الطلاب عدالة التقييم، ويمكن إدارات الجامعات دعم هذه التحولات ببرامج تطوير لأعضاء هيئة التدريس وبنى تقنية لتقديم الاختبارات المحوسبة ومتابعتها، وينصح بأن يبدأ التحول تجريبيًا في مقررات مختارة ويقيم بعناية قبل التعميم، مع توثيق التجربة بمؤشرات كمية وشهادات طلابية تمنح صانعي القرار صورة متوازنة عن الجدوى والكلفة
وخلاصة القول إن تحويل المقرر الجامعي من التلقين إلى النشاط رحلة تدريجية ممكنة، وإن دمج منهجيات التعلم النشط في التدريس والتقويم يثمر تحسنًا ملموسًا في الحضور والنجاح ورضا الطلاب معًا








