تعد برامج الصحة السلوكية المدرسية الشاملة مدخلًا متكاملًا لدعم الصحة النفسية للطلاب داخل المدرسة، غير أن نجاح هذه البرامج يتوقف على عوامل مدرسية جوهرية في مقدمتها المناخ المدرسي بما ينطوي عليه من انخراط وأمان وبيئة، وقد تناولت بحوث سابقة التباين بين إدراك الطلاب والمعلمين للمناخ المدرسي، لكن ظل من غير الواضح كيف يمكن أن يوجه التوافق بين هذين الإدراكين تنفيذ برامج الصحة السلوكية وتحسينها المستمر، وهو الفراغ الذي سعت هذه الدراسة الاستكشافية إلى معالجته من داخل تجربة تطبيق واسعة النطاق، إذ إن معرفة مواضع اتفاق الفئتين واختلافهما تمنح القائمين على البرامج خريطة أدق لمواطن القوة والاحتياج في مدارسهم
ويحظى المناخ المدرسي باهتمام واسع في أدبيات التربية والصحة النفسية المدرسية لارتباطه الوثيق بتحصيل الطلاب وسلوكهم ورفاههم النفسي ورضا المعلمين واستقرارهم المهني، وتتنوع مصادر قياسه بين تقارير الطلاب وتقارير المعلمين وملاحظات الباحثين، ومن هنا تنبع أهمية دراسات التوافق التي تقيس مدى تقارب صورة المدرسة في أعين أبنائها ومعلميها، ويهتم الباحثون العرب وطلاب الدراسات العليا بهذا المجال لأن مدارسهم تشهد توسعًا في برامج الدعم النفسي والاجتماعي يستلزم أدوات قياس دقيقة تستند إلى صوت الطالب والمعلم معًا
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
بحثت الدراسة إدراك الطلاب والمعلمين للمناخ المدرسي في تسع عشرة مدرسة تطبق برنامجًا شاملًا للصحة السلوكية المدرسية ضمن تجربة عشوائية مضبوطة واسعة النطاق، وجمعت بيانات المناخ المدرسي في ربيع عام 2022 باستخدام مسح المناخ المدرسي الصادر عن وزارة التعليم الأمريكية، وهو مسح يقيس مجالات المناخ في الانخراط والأمان والبيئة، واعتمد التحليل على تقارير الطلاب والمعلمين المجمعة على مستوى المدرسة، فحسبت معاملات ارتباط بيرسون للوقوف على درجة التوافق بين التقارير، ومعامل كوهين لقياس فروق المتوسطات بين تقارير الفئتين عبر المجالات الرئيسة ومجالاتها الفرعية المتعددة
ثانيًا: أبرز النتائج
1، كشفت النتائج عن توافق دال بين إدراك الطلاب والمعلمين للمناخ المدرسي تراوح بين المتوسط والمرتفع في مجالي الأمان والبيئة
2، برز هذا التوافق على نحو خاص في المجال الفرعي المتصل بالأمان الجسدي داخل المدرسة ومرافقها
3، شمل التوافق أيضًا مجالات التنمر والتنمر الإلكتروني وتعاطي المواد بين الطلاب كما يدركها الطرفان
4، امتد التوافق المرتفع إلى مجالي الصحة النفسية والانضباط المدرسي بما يعزز الثقة في صورة مشتركة للواقع المدرسي بين الفئتين
5، يقدم هذا التوافق في مجالات المناخ أساسًا يمكن أن تستند إليه فرق البرامج في تحديد أولويات التدخل ومتابعة التحسن عبر الزمن
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تبين هذه النتائج كيفية توظيف التوافق في مجالات المناخ المدرسي، ولا سيما الأمان والبيئة، في تنفيذ برامج الصحة السلوكية المدرسية على مستوى المدرسة كلها وتحسينها المستمر، فحين يتقارب إدراك الطلاب والمعلمين يصبح تشخيص نقاط القوة والاحتياج أكثر دقة، وتتحدد التدخلات بناء على رؤية مشتركة لا على انطباعات متباعدة قد تقود إلى قرارات غير متوازنة، ويمكن لقيادات المدارس ومخططي البرامج أن يجعلوا من قياس التوافق بين تقارير الفئتين أداة دورية للرصد والتقويم، مع الانتباه إلى أن الدراسة استكشافية بطبيعتها وأن نتائجها تستدعي بحوثًا أوسع تربط التوافق في إدراك المناخ بمخرجات الطلاب النفسية والتعليمية بصورة مباشرة
ومن الزوايا التطبيقية التي تفتحها الدراسة أن التباين حين يظهر في مجالات أخرى غير الأمان والبيئة يصبح بحد ذاته معلومة تشخيصية قيمة، إذ يشير إلى جوانب من الحياة المدرسية تراها فئة ولا تراها الأخرى بالوضوح ذاته فتستدعي حوارًا مدرسيًا منظمًا وخطط تحسين موجهة، كما يمكن توظيف نتائج مسح المناخ في تدريب القيادات المدرسية على قراءة البيانات وتحويلها إلى أولويات عمل، وأن تكون قياسات المناخ جزءًا دوريًا من تقويم برامج الصحة السلوكية لا حدثًا عارضًا يقاس مرة واحدة ثم يهمل
وخلاصة القول إن المناخ المدرسي ليس خلفية صامتة لبرامج الصحة السلوكية بل عامل فاعل في نجاحها، وإن قياس التوافق بين عيون الطلاب والمعلمين يمنح هذه البرامج بوصلة أدق للتخطيط والتحسين المستمر








