برزت القيادة الأصيلة مفهومًا محوريًا في البحوث التنظيمية والتربوية، إذ تربط فاعلية القائد بوعيه بذاته وشفافيته في علاقاته ومعالجته المتوازنة للمعلومات ومنظوره الأخلاقي الراسخ، غير أن قياس هذا المفهوم لم يستكشف بما يكفي في السياقات غير الغربية، ولا سيما في التعليم العالي الفيتنامي، فالأدوات المنقولة من ثقافات أخرى قد لا تحتفظ ببنيتها وصدقها حين تطبق في بيئات تختلف في قيمها وأنماط علاقاتها التنظيمية، ومن هنا تبرز الحاجة إلى تحقق سيكومتري صارم قبل استخدام استبانة القيادة الأصيلة في البحث الفيتنامي أو الاعتماد عليها في برامج تطوير القيادات الجامعية
وتتصدى هذه الدراسة لهذه الحاجة بالتحقق من استبانة القيادة الأصيلة وتقويم خصائصها السيكومترية في التعليم العالي الفيتنامي، وهي خطوة منهجية تهم الباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا ممن يتعاملون مع مقاييس منقولة ثقافيًا في بيئاتهم، إذ تقدم لهم نموذجًا تطبيقيًا لإجراءات التكييف والتحقق من البنية والثبات والصدق قبل تعميم استخدام أي أداة قياس
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى التحقق من صدق استبانة القيادة الأصيلة وتقويم خصائصها السيكومترية في سياق التعليم العالي الفيتنامي، واعتمدت تصميم مسح مقطعي جمع البيانات من 542 محاضرًا يعملون في 10 جامعات حكومية بمنطقة دلتا الميكونغ في فيتنام، وأجرت تحليلًا عامليًا استكشافيًا وتحليلًا عامليًا توكيديًا لتقويم البنية العاملية للمقياس وثباته وصدقه البنائي، مع فحص ارتباطه بمتغير الانخراط في العمل بوصفه مؤشرًا على صدقه التنبؤي، ومقارنة ملاءمة النموذج العاملي من الدرجة الأولى بنموذج الدرجة الثانية
ثانيًا: أبرز النتائج
1، دعمت النتائج إطارًا معدلًا للمقياس يتكون من 15 بندًا موزعة على أربعة عوامل هي الوعي بالذات، والشفافية العلائقية، والمعالجة المتوازنة، والمنظور الأخلاقي المستدخل، وأظهر النموذج مؤشرات ملاءمة مواتية واتساقًا داخليًا مقبولًا عبر عوامله
2، أبدى النموذج العاملي من الدرجة الأولى ملاءمة أفضل بدلالة إحصائية مقارنة بنموذج الدرجة الثانية، بما يوحي بأن القيادة الأصيلة تفهم على نحو أكثر فاعلية بوصفها بناء متعدد الأبعاد في السياق الفيتنامي لا عاملًا عامًا واحدًا يختزل أبعادها
3، أظهر المقياس صدقًا تقاربيًا وتمييزيًا قويًا، وارتباطات موجبة دالة بالانخراط في العمل، بما يؤكد صدقه التنبؤي وقدرته على التمييز بين القيادة الأصيلة وما يجاورها من مفاهيم قيادية أخرى
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تؤكد النتائج أن النسخة الفيتنامية المكيفة من استبانة القيادة الأصيلة أداة موثوقة وصالحة للقياس، بما يوسع قابلية تطبيق نظرية القيادة الأصيلة في فيتنام ويوفر موردًا قيمًا للبحوث المستقبلية ولتطوير القيادات في مؤسسات التعليم العالي، ويمكن للجامعات العربية أن تستلهم إجراءات هذه الدراسة عند تكييف مقاييس قيادية عالمية مع بيئاتها، بدل افتراض صلاحية الأدوات المنقولة دون فحص، كما تنبه الباحثين إلى أن الأبعاد الأربعة قد تعمل بوصفها مكونات مستقلة نسبيًا تستحق الدراسة المنفصلة عند تصميم برامج تطوير القادة الأكاديميين وتقويم أثرها
وتحمل هذه الدراسة قيمة منهجية تتجاوز سياقها الفيتنامي إلى الباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا الذين يستخدمون مقاييس قيادية مترجمة في رسائلهم وبحوثهم، فهي تذكرهم بأن الترجمة اللغوية للمقياس لا تعني صلاحيته القياسية، وأن التحليلين الاستكشافي والتوكيدي وإثبات الصدق بأنواعه خطوات لا غنى عنها قبل بناء أي استنتاج أو توصية، كما تشجع كليات التربية العربية على تنفيذ دراسات تحقق مماثلة للأدوات الشائعة في بيئاتها حتى تتراكم نسخ عربية موثوقة من المقاييس العالمية، ويصبح بالإمكان إجراء مقارنات ثقافية رصينة في القيادة التربوية تستند إلى أدوات ثبتت ملاءمتها لكل سياق على حدة لا إلى افتراضات جاهزة عن عالمية البنى النفسية والتنظيمية
ويمتد أثر مثل هذه الدراسات إلى تحسين جودة مخرجات البحث التربوي ذاته، فكل أداة موثوقة تضاف إلى مكتبة القياس المحلية ترفع سقف ما يمكن دراسته بدقة، وتقلل من النتائج المضللة التي تنشأ عن أدوات لم تمحص بنيتها في البيئة التي تطبق فيها
وخلاصة القول إن التحقق السيكومتري الجاد شرط سابق لأي استخدام بحثي أو تطويري لمقاييس القيادة المنقولة ثقافيًا، وقد أثبتت هذه الدراسة أن استبانة القيادة الأصيلة بصيغتها المعدلة أداة يمكن الوثوق بها في التعليم العالي الفيتنامي








