تطرح البيئات متعددة الثقافات في مرحلة الطفولة المبكرة سؤالًا تربويًا مهمًا حول كيفية دعم لغات التراث لدى الأطفال المنحدرين من أسر ناطقة بلغات أخرى، وتعريف بقية الأطفال بهذه اللغات تعريفًا مبكرًا يبني اتجاهات إيجابية نحو التنوع، وقد طورت برامج متخصصة لهذا الغرض تجمع بين اللعب وتعلم اللغة والمحتوى في آن واحد، إلا أن تقييم فاعلية هذه البرامج وقابليتها للتكيف مع سياقات مختلفة يحتاج إلى أدلة ميدانية تراكمية عبر تنفيذات متتابعة توثق انخراط الأطفال واستعدادهم المدرسي وكفايتهم اللغوية
وتقدم هذه الدراسة تقييمًا للتنفيذ الثالث لبرنامج العقول الصغيرة متعددة اللغات، وهو برنامج تعرض للغة الفيتنامية نفذ في روضة بمدينة ملبورن الأسترالية تخدم جزئيًا مجتمعًا كبيرًا ناطقًا بالفيتنامية، ويستهدف أطفالًا يتعلمون الفيتنامية لغة تراثية وآخرين يتعلمونها لغة إضافية، بما يجعل نتائجه ذات صلة بالباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا المهتمين بتعليم لغات التراث والحفاظ عليها في مجتمعات المهجر والبيئات المتعددة لغويًا
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تقييم التنفيذ الثالث لبرنامج التعرض للغة الفيتنامية في مرحلة ما قبل المدرسة، من حيث انخراط الأطفال ومؤشرات استعدادهم المبكر للمدرسة وكفايتهم اللغوية، واعتمد البرنامج منهجًا قائمًا على اللعب ومنهج تعلم المحتوى واللغة المتكامل مستخدمًا الفيتنامية لغة للتدريس، وتضمن وحدات موضوعية تصاعدية في التعقيد المفاهيمي واللغوي عبر ثلاثة فصول دراسية، وقُوّمت انخراطات الأطفال ومؤشرات استعدادهم وكفايتهم اللغوية تقويمًا طوليًا عبر زمن البرنامج، إلى جانب رصد آراء الأهالي واتجاهاتهم نحو البرنامج وآثاره المحتملة في أطفالهم
ثانيًا: أبرز النتائج
1، أظهر الأطفال انخراطًا مرتفعًا باستمرار عبر جميع المشاركين، مع زيادات دالة في الاستعداد والاهتمام بمرور الوقت، بما يدل على أن التعرض المنتظم للغة جديدة في بيئة لعب آمنة يبني دافعية متنامية لا فتورًا متزايدًا
2، أفاد معظم الأهالي بعد 12 أسبوعًا من تنفيذ البرنامج بغياب أي مخاوف لديهم بشأن آثار سلبية محتملة لثنائية اللغة، وعبروا عن آراء إيجابية للغاية في البرنامج، مشيرين إلى ازدياد اهتمام أطفالهم بالفيتنامية وثقتهم باستخدامها ومتعتهم بالجلسات وفرص التواصل الاجتماعي عبر الثقافات التي أتاحها، ورجحوا بقوة استمرار مشاركة أطفالهم رغم معوقات عملية مثل محدودية إتقان الفيتنامية أو مواردها في المنزل
3، أبدى الأطفال الذين تعد الفيتنامية لغة تراثهم مستويات تفاعل أعلى من غيرهم، بينما أظهر أطفال اللغة الإضافية تحسنًا مطردًا مع تأقلمهم التدريجي مع البرنامج وأنشطته
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تبين النتائج مجملًا جدوى نموذج البرنامج وقابليته للتكيف في دعم تطور لغات التراث واللغات الإضافية في بيئات تعليم الطفولة المبكرة المتنوعة ثقافيًا، وتقدم دروسًا عملية لبرامج لغات التراث في سياقات عربية مشابهة، منها أن اللعب وسيط فعال لتعلم اللغة في هذه السن، وأن إشراك الأهالي وتطمينهم تجاه ثنائية اللغة شرط لقبول البرنامج واستمراره، وأن التدرج الموضوعي عبر الفصول يراعي الفروق بين متعلمي التراث ومتعلمي اللغة الإضافية، كما تشجع الدراسة مؤسسات الطفولة المبكرة على توثيق تنفيذاتها المتتابعة وتقييمها طوليًا بدل الاكتفاء بانطباعات عابرة عن نجاح البرامج اللغوية
وتلقي هذه الدراسة ضوءًا مفيدًا للباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا في تعليم الطفولة المبكرة ولغات التراث، فكثير من الأسر العربية في بلدان الاغتراب تواجه السؤال ذاته عن كيفية حفاظ أطفالها على لغتهم الأم دون أن يثقل ذلك تعلمهم لغة المجتمع الجديد، وتبين التجربة المدروسة أن برامج التعرض القصيرة المنتظمة القائمة على اللعب قادرة على بناء اهتمام لغوي مبكر واتجاهات أسرية مطمئنة، وأن نجاحها يقاس طوليًا بانخراط الأطفال واستعدادهم لا بانطباعات لحظية، كما تشجع صانعي البرامج اللغوية للأطفال على توثيق كل تنفيذ وتقييمه بمنهجية، لأن التراكم المعرفي عبر التنفيذات المتتابعة هو ما يحول المبادرات الفردية إلى نماذج قابلة للنقل والتطوير في سياقات ثقافية متنوعة
وخلاصة القول إن برنامج تعرض لغوي قصير نسبيًا استطاع أن يبني انخراطًا مرتفعًا واتجاهات أسرية إيجابية وتقدمًا لغويًا متدرجًا لدى أطفال ما قبل المدرسة، بما يؤكد أن دعم لغات التراث ممكن ومجد في البيئات التعليمية المتنوعة متى أحسن تصميمه وتقييمه








