يمثل الاستبعاد الاجتماعي خبرة مؤلمة يمر بها بعض طلاب الجامعات حين يشعرون بالرفض أو التهميش من جماعات الأقران، وقد لا تقف آثار هذه الخبرة عند الانزعاج الانفعالي، بل تمتد إلى أنماط من التفكير والسلوك، ومن أخطرها الإبداع الخبيث الذي يوجه القدرات الابتكارية لدى الطالب نحو إلحاق الأذى بالآخرين أو خداعهم، وهو مفهوم يستحق الفحص الدقيق لأنه يبين أن الإبداع ليس فضيلة مطلقة بل طاقة تعتمد وجهتها على السياق النفسي والاجتماعي لصاحبها، ويحتاج فهم العلاقة بين الاستبعاد الاجتماعي وهذا النوع من الإبداع إلى كشف الآليات الوسيطة والعوامل الواقية في آن واحد
وتتصدى هذه الدراسة لهذه المهمة بفحص دور العدوانية وسيطًا بين الاستبعاد الاجتماعي والإبداع الخبيث، ودور المشاركة في الرياضات الجماعية عاملًا معدلًا يخفف من قوة هذه العلاقة أو يشتتها، استنادًا إلى بيانات من جامعات مدينة شنغهاي الصينية، وهو تصميم يقدم للباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا نموذجًا لكيفية اختبار الوساطة والتعديل معًا في الظواهر السلوكية الجامعية
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص كيفية ارتباط الاستبعاد الاجتماعي بالإبداع الخبيث لدى طلاب الجامعات، واختبار الدور الوسيط للعدوانية في هذه العلاقة، والدور المعدل للمشاركة في الرياضات الجماعية، وشملت العينة 1288 طالبًا وطالبة من جامعات شنغهاي، بواقع 656 طالبًا و632 طالبة، أكملوا مقاييس معتمدة تقيس الاستبعاد الاجتماعي والعدوانية والإبداع الخبيث والمشاركة في الرياضات الجماعية، وحللت البيانات باستخدام إجراء بروسيس مع أسلوب إعادة المعاينة المعززة، مع ضبط متغيرات الجنس والصف الدراسي والعمر لضمان عزل الآثار المستهدفة عن المؤثرات الخلفية
ثانيًا: أبرز النتائج
1، تنبأ الاستبعاد الاجتماعي بالإبداع الخبيث لدى طلاب الجامعات تنبؤًا موجبًا دالًا، فكلما اشتد شعور الطالب بالاستبعاد من محيطه الاجتماعي ازداد ميله إلى توجيه قدراته الإبداعية نحو أغراض مؤذية
2، توسطت العدوانية العلاقة بين الاستبعاد الاجتماعي والإبداع الخبيث توسطًا جزئيًا، إذ ظل الاستبعاد الاجتماعي متنبئًا دالًا بالإبداع الخبيث حتى بعد إدخال العدوانية في النموذج، وكان الأثر غير المباشر عبر العدوانية دالًا بدوره، بما يعني أن الاستبعاد يولد عدوانية تغذي الإبداع الخبيث دون أن تستنفد أثره كليًا
3، عدلت المشاركة في الرياضات الجماعية مسارين في النموذج تعديلًا دالًا، هما مسار الاستبعاد الاجتماعي إلى العدوانية ومسار العدوانية إلى الإبداع الخبيث، إذ كانت الارتباطات الموجبة أقوى عند مستويات المشاركة المنخفضة وأضعف عند مستوياتها المرتفعة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تشير النتائج إلى أن الاستبعاد الاجتماعي قد يؤثر في الإبداع الخبيث لدى اليافعين البالغين جزئيًا عبر زيادة العدوانية، بينما تعمل المشاركة المستدامة في الرياضات الجماعية عامل حماية يخفف هذا الخطر، وتبرز الدراسة أهمية دمج التدخلات القائمة على الرياضة في برامج الصحة النفسية والوقاية السلوكية بالحرم الجامعي لتوجيه الإبداع نحو غايات إيجابية بناءة، ويمكن للجامعات العربية الاستفادة من ذلك في بناء أنشطة جماعية منظمة تستوعب الطلاب المعرضين للتهميش وتعيد دمجهم اجتماعيًا، كما يلفت الباحثين إلى أن معالجة الإبداع الخبيث تبدأ من المناخ الاجتماعي قبل أن تبدأ من الفرد نفسه
وتتصل هذه الدراسة باهتمامات الباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا في علم النفس الاجتماعي والتربوي اتصالًا مباشرًا، إذ يعاني بعض الطلاب في الجامعات العربية من صور هادئة من الاستبعاد داخل الأنشطة والمجموعات، ونادرًا ما تفحص آثاره البعيدة في التفكير المؤذي، ويقدم نموذج الوساطة والتعديل المستخدم هنا قالبًا يمكن اختباره محليًا بمقاييس مكيفة، كما يلفت إدارات الأنشطة الطلابية إلى أن توسيع المشاركة في الرياضات الجماعية والأنشطة التعاونية ليس قرارًا ترفيهيًا بل استثمار وقائي يقلل العدوانية ويعيد دمج الطلاب المهمشين في نسيج الحياة الجامعية، ويحول طاقاتهم الإبداعية نحو أهداف بناءة تخدمهم وتخدم مجتمعهم الجامعي
وخلاصة القول إن الإبداع الخبيث ثمرة محتملة لاستبعاد اجتماعي يمر عبر عدوانية متنامية، وإن الرياضات الجماعية ليست نشاطًا ترفيهيًا هامشيًا في هذا السياق بل خط دفاع عملي يضعف هذه السلسلة في حلقتين من حلقاتها








