غالبًا ما تثير الطوارئ والأحداث الطارئة عبر الإنترنت تحيزات معرفية لدى الجمهور، فتتأثر بذلك سلامة بيئة الرأي العام وقد يتهدد الاستقرار الاجتماعي حين تنتشر أحكام متسرعة وتصورات مشوهة، وقد انصبت معظم الدراسات السابقة على مظاهر التحيزات المعرفية وآثارها، بينما ظلت آليات تشكلها، ولا سيما دور العوامل السياقية في البيئة الرقمية، أقل دراسة وفهمًا، ومن هنا تنبع الحاجة إلى إطار يفسر كيف تصوغ خصائص الموقف المعلوماتي طرائق تفكير الجمهور أثناء الأزمات الرقمية المتسارعة
وتقدم هذه الدراسة ذلك الإطار بدمج نظرية الميدان ونظرية المعالجة الاستدلالية للمعلومات، مركزة على ما يعرف بأثر استدلالات موقف الميدان في التحيز المعرفي أثناء الطوارئ عبر الإنترنت، عبر مسارين وسيطين هما التوقعات التكيفية والإسنادات الضمنية، وهو موضوع يمس اهتمامات الباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا في الإعلام وعلم النفس الاجتماعي وإدارة الأزمات، إذ يتصل بجودة الخطاب العام وبناء المناعة المعرفية لدى الجمهور
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص كيفية تأثير استدلالات موقف الميدان في التحيزات المعرفية لدى الجمهور أثناء الطوارئ عبر الإنترنت، من خلال المسارات الوسيطة للتوقعات التكيفية والإسنادات الضمنية، واتخذت الدراسة ثلاثة استدلالات متغيرات مستقلة هي استدلال التثبيت، واستدلال التمثيلية، واستدلال الإتاحة، والتحيز المعرفي متغيرًا تابعًا، وجمعت البيانات عبر استبانات وزعت على الجمهور، وحللتها بنمذجة المعادلات البنائية باستخدام برمجية إحصائية متخصصة، بما أتاح تقدير قوة كل مسار ومقارنة أوزان الاستدلالات الثلاثة وفحص الفروق الديموغرافية بين المجموعات وداخلها
ثانيًا: أبرز النتائج
1، مارست استدلالات التثبيت والتمثيلية والإتاحة في الطوارئ عبر الإنترنت تأثيرًا موجبًا دالًا في التحيزات المعرفية لدى الجمهور، وذلك عبر وساطة التوقعات التكيفية والإسنادات الضمنية التي تنقل أثر الموقف المعلوماتي إلى الأحكام الصادرة
2، جاء استدلال التمثيلية الأقوى تأثيرًا في التحيزات المعرفية، تلاه استدلال الإتاحة، ثم استدلال التثبيت في المرتبة الأخيرة، وهو ترتيب يبين أن حكم الجمهور بما يشبه الصور الذهنية الجاهزة أخطر من ارتكازه على أول معلومة تصله
3، أظهر أثر الاستدلالات السياقية في التحيزات المعرفية فروقًا ديموغرافية دالة بين المجموعات وداخلها، بما يعني أن قابلية التأثر بهذه الاستدلالات ليست واحدة لدى جميع فئات الجمهور بل تختلف باختلاف خصائصهم
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تقدم النتائج رؤى نظرية لتحسين حوكمة الرأي العام عبر الإنترنت وتعزيز محو الأمية الإعلامية لدى الجمهور، إذ تبين أن فهم كيفية تشكيل الاستدلالات السياقية للمخرجات المعرفية شرط لإدارة انتشار المعلومات أثناء الطوارئ إدارة رشيدة، ويمكن لصناع السياسات الإعلامية توظيف هذه المعرفة في تصميم رسائل أزمات تقلل الاستثارة الانفعالية وتصحح الانطباعات الأولى، كما تفيد مؤسسات التعليم في بناء برامج تثقيف إعلامي تستهدف الاستدلالات الأقوى تأثيرًا أولًا، وتفتح الدراسة أمام الباحثين العرب مجالًا لاختبار النموذج في بيئات رقمية عربية وأحداث محلية
وتفيد هذه الدراسة الباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا في مجالات الإعلام وإدارة الأزمات لأن الفضاء الرقمي العربي يشهد بصورة متكررة موجات من التحيز الجماعي أثناء الأزمات والطوارئ، ويوفر النموذج المقترح خريطة للمسارات التي يمكن التدخل فيها، من ضبط المعلومة الأولى التي يرتكز عليها الجمهور، إلى تصحيح الصور النمطية التي يستدعيها استدلال التمثيلية، إلى إتاحة معلومات موثوقة متنوعة تقلل من الاعتماد على ما يسهل تذكره من أمثلة جزئية، كما تشجع المؤسسات الإعلامية على بناء بروتوكولات تحقق سريعة أثناء الطوارئ تراعي خصائص الجمهور الديموغرافية والفروق في قابلية تأثر فئاته المختلفة بهذه الاستدلالات
كما تستحق ظاهرة التحيز في الطوارئ الرقمية مزيدًا من الدراسات الطولية والتجريبية التي تتجاوز المسوح المقطعية، حتى تتضح كيفية تراكم هذه التحيزات عبر الأحداث المتتابعة ومدى قابليتها للتصحيح بالتدخلات التوعوية المناسبة
وخلاصة القول إن التحيز المعرفي في الطوارئ عبر الإنترنت ليس قصورًا فرديًا فحسب، بل نتاج مواقف معلوماتية تستثير استدلالات ذهنية سريعة تتوسطها توقعات تكيفية وإسنادات ضمنية، وفهم هذه السلسلة يمنح الباحثين والممارسين مفاتيح عملية لخطاب عام أرشد وأقل انحرافًا








