يملك محررو المجلات العلمية قدرة كبيرة على دفع العلم المفتوح قدمًا في تخصصاتهم، إذ يستطيعون تحفيز الباحثين على تبني سياسات وممارسات منفتحة وإلزامهم بها ضمن مجلاتهم، كإتاحة البيانات والمواد البحثية والشفافية في إجراءات التحكيم والنشر المسبق، غير أن المحرر الجديد على ممارسات العلم المفتوح قد يشعر بالإرباك ولا يعرف من أين يبدأ وسط كثرة السياسات والأدوات المتاحة
وقد عمل مجتمع محرري مجلات العلوم الاجتماعية في منتدى إلكتروني متخصص تابع لمبادرة تمرير البيانات على جمع موارد متعددة حول تضمين العلم المفتوح في تحرير المجلات، إلا أن الحاجة ظلت قائمة إلى دليل عملي مبسط يرتب الخطوات ويوضح لكل سياسة معناها وسببها وطريقة تطبيقها والمخاوف المرتبطة بها، وهو ما تقدمه هذه الدراسة التي تعرض الدليل وتلخصه للمحررين والباحثين، وتفيد محرري المجلات العربية وطلاب الدراسات العليا المهتمين بأخلاقيات النشر وتطويره
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تقديم دليل عملي يساعد محرري مجلات العلوم الاجتماعية على البدء في تطبيق سياسات العلم المفتوح وممارساته داخل مجلاتهم بصورة تدريجية ومدروسة، وتجاوز حالة التردد الناشئة عن كثرة الخيارات وعدم وضوح نقطة الانطلاق
واعتمد إعداد الدليل على الموارد التي جمعها مجتمع محرري المجلات في منتداهم الإلكتروني التفاعلي، وصيغ الدليل بحيث يعرض الخطوات التي يمكن للمحررين اتخاذها لتفعيل السياسات والممارسات المنفتحة، متناولًا في كل سياسة أو ممارسة أربعة عناصر هي ماهيتها وأسباب تبنيها وكيفية تنفيذها والمخاوف أو الاعتراضات التي قد تثار حولها وكيفية التعامل معها، ثم نشرت الدراسة الحالية تعريفًا بالدليل وملخصًا لمحتوياته، مع إتاحة الدليل الكامل بصورة مفتوحة للاطلاع والاستخدام
ثانيًا: أبرز النتائج
1، يقدم الدليل مسارًا تدريجيًا يمكن المحرر من البدء بخطوات محدودة ممكنة التطبيق ثم التوسع فيها، بدلًا من محاولة تبني جميع ممارسات العلم المفتوح دفعة واحدة، وهو ما يخفف العبء المؤسسي ويزيد فرص النجاح
2، يغطي الدليل في كل سياسة أو ممارسة عناصر الشرح والغاية وآلية التنفيذ والمخاوف المحتملة، فيحصل المحرر على صورة متكاملة تساعده على اتخاذ قرارات مستنيرة ومناقشة التغييرات مع هيئات التحرير والناشرين والمؤلفين
3، يستند الدليل إلى موارد مجمعة من مجتمع متخصص من محرري مجلات العلوم الاجتماعية يتبادلون الخبرات حول تضمين العلم المفتوح في التحرير، وهو ما يمنح توصياته طابعًا عمليًا مستمدًا من تجارب تحريرية واقعية
4، يتاح الدليل الكامل مجانًا وبصورة مفتوحة، بحيث تستطيع أي مجلة الاستفادة منه وتكييف خطواته مع سياقها التخصصي والمؤسسي دون قيود مالية
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تتمثل دلالة هذا الدليل في أنه ينقل مسؤولية تعزيز العلم المفتوح من مستوى الدعوات العامة إلى مستوى الإجراءات التحريرية القابلة للتنفيذ، فالمحرر الذي يتبنى سياسات واضحة لإتاحة البيانات والشفافية يؤثر في سلوك مئات الباحثين الذين ينشرون في مجلته، كما يساعد الدليل المجلات الناشئة في العالم العربي على مواكبة المعايير الدولية للنزاهة والشفافية بصورة واقعية تراعي الإمكانات، ويفتح الباب أمام دراسات لاحقة تقيس أثر تطبيق هذه الخطوات في جودة البحوث المنشورة وثقة القراء بها
ويكتسب موضوع العلم المفتوح زخمًا عالميًا متصاعدًا مع إلزام جهات التمويل والجامعات الباحثين بإتاحة بياناتهم ونتائجهم، وتوجه المجلات الكبرى نحو الشفافية في التحكيم والنشر المسبق للمسودات، حتى غدت ممارسات الانفتاح معيارًا لجودة المجلة وسمعتها لا ترفًا اختياريًا، وفي هذا المناخ يأتي الدليل ليخاطب المحرر المتردد بلغة عملية تراعي مخاوفه المشروعة حول عبء العمل وردود فعل المؤلفين ومتطلبات الناشرين، مقترحًا تسلسلًا منطقيًا للسياسات بحسب سهولة تطبيقها وأثرها، وهو ما يجعله أداة مناسبة للمجلات المتوسطة والصغيرة التي تفتقر إلى فرق تحريرية كبيرة أو موارد تقنية واسعة
وخلاصة القول إن الانتقال إلى العلم المفتوح في مجلات العلوم الاجتماعية لا يتطلب قفزات مفاجئة، بل خطوات متدرجة موجهة بدليل عملي يوضح لكل ممارسة معناها وغايتها وطريقة تطبيقها والمخاوف المرتبطة بها، وهو ما يجعل الانفتاح العلمي مشروعًا قابلًا للتحقق في مختلف البيئات التحريرية








