يتزايد التأكيد في نظم الرعاية الصحية الحديثة على تمكين المرضى وإشراكهم شركاء فاعلين في القرارات المتعلقة بعلاجهم ورعايتهم بدل معاملتهم متلقين سلبيين للخدمة، غير أن مفهوم التمكين ذاته يكتنفه غموض واسع، وتفتقر أدوات قياسه الحالية إلى التوحيد إذ تغطي مجالات متباينة ومفاهيم متداخلة يصعب مقارنتها عبر الدراسات والبيئات، ويعد مقياس التمكين المعني باتخاذ القرارات من الأدوات المستخدمة لتقويم تمكين المرضى من منظور شعورهم بالقدرة على المشاركة والاختيار، وتتناول هذه الدراسة تقويمًا سيكومتريًا للنسخة السويدية من هذا المقياس يفحص صدقه البنائي وثباته في سياقين مختلفين هما الرعاية النفسية والرعاية الأولية، سعيًا إلى تحديد بنيته العاملية الأنسب وإمكان اختصاره وتحسينه لخدمة الممارسة والبحث
وتهم الدراسة الباحثين العرب وطلاب الدراسات العليا في القياس النفسي وعلم نفس الصحة وإدارة الرعاية الصحية، لأنها تعرض نموذجًا صارمًا لمقارنة نماذج عاملية متنافسة على عينتين مستقلتين واستخلاص نسخة محسنة ومختصرة من مقياس قائم، وهي خبرة يحتاجها كل من يسعى إلى تطوير أدوات عربية لقياس تمكين المرضى ورضاهم ومشاركتهم في بيئات رعاية متباينة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى إجراء تقويم سيكومتري للنسخة السويدية من مقياس التمكين بفرعه المعني باتخاذ القرارات، مع تركيز على صدقه البنائي وثباته في تقويم تمكين المرضى، وشمل فحص البنية العاملية عينتين من سياقين مختلفين هما الرعاية النفسية وبلغ حجمها 211 مريضًا والرعاية الأولية وبلغ حجمها 210 مرضى، واختبر الباحثون أبعاد المقياس بمقارنة أربعة نماذج تحليل عاملي توكيدي مقترحة في بحوث سابقة إلى جانب حل أحادي العامل لتحديد الأنسب مطابقة للعينتين، على أن يقترحوا مقياسًا جديدًا لمزيد من التقويم إذا لم يقدم أي نموذج مطابقة جيدة، وحددت مقاييس الثبات بمعامل أوميغا وبألفا كرونباخ معًا لضمان تقدير متعدد الزوايا لاتساق الأداة
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت نتائج التقويم السيكومتري صورة نقدية بناءة لبنية المقياس الأصلية يمكن عرضها في النقاط الآتية
1، كان الدعم محدودًا للحل أحادي العامل في كلتا العينتين بما يتحدى افتراض أحادية بعد المقياس، إذ بلغ مؤشر المطابقة المقارن 0.58 في عينة الرعاية الأولية و0.66 في عينة الرعاية النفسية مع مؤشرات خطأ تقريب مرتفعة نسبيًا، ولم يقدم أي من الحلول العاملية المقترحة سابقًا مطابقة مرضية للبيانات
2، جاء الحل ثلاثي العوامل الأقل تعقيدًا والأفضل مطابقة بين النماذج المتنافسة، إذ بلغ مؤشر مطابقته المقارن 0.85 في الرعاية الأولية و0.87 في الرعاية النفسية، فانطلق الباحثون منه إلى تنقيحات استكشافية أوصلتهم إلى نموذجين ثلاثيين معدلين بحسب كل عينة
3، أظهر النموذجان المعدلان فروقًا طفيفة فقط بين العينتين، فأزال الباحثون في خطوة أخيرة البنود المختلفة بين العينتين للوصول إلى حل واحد مناسب للاستخدام في بيئات الرعاية الصحية بصورة عامة يتجاوز خصوصية السياق الواحد
4، قدمت الدراسة بذلك نسخة محسنة ومختصرة من المقياس تضم 18 بندًا تستهدف الأبعاد الفرعية الثلاثة وهي تقدير الذات والعجز والنشاطية، وحققت مطابقة أفضل بوضوح، إذ بلغ مؤشر المطابقة المقارن لها 0.91 في عينة الرعاية الأولية و0.88 في الرعاية النفسية و0.91 في العينة المجمعة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تعزز النتائج إدراك الصعوبات الكامنة في قياس التمكين نظرًا إلى تعقيد هذا المفهوم وتشابكه مع بنى نفسية واجتماعية مجاورة، ويمكن استخدام النسخة المحسنة والمختصرة من المقياس داخل بيئات الرعاية الصحية لقياس تمكين المرضى بصورة أكثر اقتصادًا ودقة، غير أن الدراسة تؤكد الحاجة إلى بحوث إضافية لوضع تصور وقياس لتمكين المرضى ذوي المشكلات النفسية تحديدًا، وتقترح أن تستكشف البحوث المقبلة استخدام أدوات متعددة تستهدف بنى مختلفة لقياس تمكين المرضى بصورة أشمل بدل الاكتفاء بأداة وحيدة، وهي رؤى تحفز فرق الجودة وتجربة المريض في مؤسسات صحية عربية على تطوير أدوات قياس متعددة الأبعاد ومحكمة البناء
وخلاصة القول إن النسخة السويدية الأصلية من مقياس التمكين لم تصمد بنيتها المفترضة أمام الاختبار الصارم، لكن التنقيح المنهجي أنتج نسخة مختصرة واعدة من 18 بندًا بثلاثة أبعاد واضحة، تظل بحاجة إلى مزيد من التحقق قبل اعتمادها واسعًا في الممارسة والبحث








